مجموعة مؤلفين
37
مقدمات في علم القراءات
يحتمل وجوها كثيرة فخوفا من تسرب ما لم يثبت قرآنا ، عني الصحابة رضي اللّه عنهم والتابعون ، ومن بعدهم بضبط روايات القرآن الكريم ، واشتهر طائفة من نقلة هذه الروايات بالضبط والإتقان ، وعرفوا بها ، واشتهروا بنقلها ، فنشأ مفهوم القراءات القرآنية أو علم القراءات . وأما إذا أرادوا بقولهم السابق : أن رسم المصحف كان بحرف قريش فقط ، وأن رسمه يحتمل ما ثبت في العرضة الأخيرة ، فهو رأي فيه وجاهة لولا أنه يشكل عليه ما ورد في صحيح الإمام البخاري من حديث أنس بن مالك قال : « فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد اللّه بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف ، وقال لهم : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش ؛ فإن القرآن أنزل بلسانهم ، ففعلوا » « 1 » ، فالأثر السابق يستفاد منه الأمور التالية : الأمر الأول : أن غالب القرآن نزل بلسان قريش ، لقول عثمان رضي اللّه عنه : « فإن القرآن نزل بلسانهم » ، أي : أن غالب القرآن نزل بلسان قريش ؛ بدليل قوله تعالى : قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [ الزمر : 28 ] ، وقوله تعالى : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء : 195 ] ، فالآيتان الكريمتان تدلان على أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب جميعا ؛ وإن كان غالبه نزل بلغة قريش . قال أبو شامة : « ومعنى قول عثمان رضي اللّه عنه « إن القرآن أنزل بلسان قريش » ، أي : معظمه بلسانهم ، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش أولى من لسان غيرهم ، أو المراد : نزل في الابتداء بلسانهم ، ثم أبيح بعد ذلك أن يقرأ بسبعة أحرف » « 2 » . الأمر الثاني : أن الأثر السابق يدل صراحة على أن رسم المصحف رسم بلغة قريش ، وغيرها بدليل قول عثمان رضي اللّه عنه : « إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في
--> ( 1 ) ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، بشرح صحيح البخاري ، ( 9 : 8 - 9 ) . ( 2 ) أبو شامة ، المرشد الوجيز ، ص 69 ، وانظر : خالد السبت ، مناهل العرفان ، للزرقاني ، دراسة وتقويم .