ابن قيم الجوزية

99

معجم التداوى بالأعشاب والنبات الطبية

فجعلها من جملته ، وفردا من أفراده ، والترنجبين « 1 » الذي يسقط على الأشجار نوع من المن ، ثم غلب استعمال المن عليه عرفا حادثا . والقول الثاني : أنه شبّه الكمأة بالمنّ المنزل من السماء ، لأنه يجمع من غير تعب ولا كلفة ولا زرع بزر ولا سقي . فإن قلت : فإن كان هذا شأن الكمأة ، فما بال هذا الضرر فيها ، ومن أين أتاها ذلك ؟ فاعلم أن اللّه سبحانه أتقن كلّ شيء صنعه ، وأحسن كلّ شيء خلقه ، فهو عند مبدأ خلقه بريء من الآفات والعلل ، تامّ المنفعة لما هبىء وخلق له ، وإنما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمور أخر من مجاورة ، أو امتزاج واختلاط ، أو أسباب أخر تقتضي فساده ، فلو ترك على خلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به ، لم يفسد . ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته وحيوانه ، وأحوال أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه ، ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام ، والأمراض ، والأسقام ، والطواعين ، والقحوط ، والجدوب ، وسلب بركات الأرض ، وثمارها ، ونباتها ، وسلب منافعها ، أو نقصانها أمورا متتابعة يتلو بعضها بعضا ، فإن لم يتّبع علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ « 2 » [ الروم : 41 ] ، ونزّل هذه الآية على أحوال العالم ، وطابق بين الواقع وبينها ، وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كل وقت في الثمار والزرع والحيوان ، وكيف

--> ( 1 ) الترنجين : هو طل يقع من السماء شبيه بالعسل ، يسمونه عسل الندى وكثيرا ما يقع بخراسان على شجر القتاد . ( 2 ) راجع القرطبي ( 14 / 40 ) والطبري ( 21 / 32 ) .