السيد كمال الحيدري
374
المعاد روية قرآنية
أن يوجِد إنساناً طيّباً وصالحاً ، ويوجِد إنساناً خبيثاً ، ولكنّه تعالى لم يعيّن مَن هو الخبيث أو الطيّب ، ولم يقُل لابدّ لزيد أن يكون طيّباً ولعمرو أن يكون خبيثاً ، وإلّا لو كان كذلك للزم الجبر . وعلى هذا فالرحمة العامّة لا يُفرّق فيها بين المؤمن والكافر ، فهناك رحمة إلهيّة عامّة يتنعّم بها المؤمن والكافر ، والبِرّ والفاجر ، وذو الشعور وغير ذي الشعور ، وبها يوجدون ، وبها يُرزقون في أوّل وجودهم ثمّ في مسيرة وجودهم ، فأصل الوجود رحمة ، وكمال الوجود واستمراريّته أيضاً رحمة . وفى مقابل ذلك هناك رحمة خاصّة هي للّذين اتّقوا والذين أصلحوا وصلحوا ، ولمن كان في صراط العبوديّة لله سبحانه وتعالى ، وصراط الفطرة الإلهيّة . قال الطباطبائي : « والرحمن : فعلان صيغة مبالغة تدلّ على الكثرة ، والرحيم فعيل صفة مشبّهة تدلّ على الثبات والبقاء ، ولذلك ناسب الرحمن أن يدلّ على الرحمة الكثيرة المُفاضة على المؤمن والكافر وهو الرحمة العامّة ، وعلى هذا المعنى يستعمل كثيراً في القرآن ، قال تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ( طه : 5 ) ، وقال : قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدّاً ( مريم : 75 ) إلى غير ذلك ، ولذلك أيضاً ناسب الرحيم أن يدلّ على النعمة الدائمة والرحمة الثابتة الباقية التي تُفاض على المؤمن كما قال تعالى : وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( الأحزاب : 43 ) ، وقال تعالى : إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ( التوبة : 117 ) إلى غير ذلك ، ولذلك قيل : إنّ الرحمن عامّ للمؤمن والكافر ، والرحيم خاصّ بالمؤمن » « 1 » . قال الله تعالى : . . وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ص 19 18 .