السيد كمال الحيدري

375

المعاد روية قرآنية

يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ( الأعراف : 156 ) . هذه الآية يبدو للمتأمِّل فيها من الوهلة الأولى وجود شئ من التناقض أو التهافت ، فالمقطع الأوّل منها يشير إلى الرحمة العامّة ، والمقطع الثاني يشير إلى أنّها مختصّة بالمتّقين ، ومن الواضح أنّ جميع المخلوقات ليست مشمولة بالمتّقين ، ولا المتّقين يساوون جميع المخلوقات ، فكيف يمكن الجمع بينها ؟ قيل في ذلك : إنّ المقطع الأوّل يشير إلى الرحمة العامّة وإلى العطاء الإلهى في قوله تعالى : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ، أمّا قوله تعالى : فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ إشارة إلى الرحمة الخاصّة حيث أصبح الإنسان في صراط العبوديّة والتقوى . يقول الطباطبائي في ذيل تفسير هذه الآية : « فهناك رحمة إلهيّة عامّة يتنعّم بها المؤمن والكافر والبرّ والفاجر وذو الشعور وغير ذي الشعور ، فيوجدون بها ويرزقون بها في أوّل وجودهم ثمّ في مسيرة الوجود ما داموا سالكين سبيل البقاء ، ورحمة إلهيّة خاصّة وهى العطيّة الهنيئة التي يجود بها الله سبحانه في مقابل الإيمان والعبوديّة ، وتختصّ لا محالة بالمؤمنين الصالحين من عباده من حياة طيّبة نورانيّة في الدُّنيا ، وجنّة ورضوان في الآخرة ، ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين ، ويقابل الرحمة الخاصّة عذاب وهو اللاملائم الذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجرمهم في الدُّنيا كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك ، وفى الآخرة من النار وآلامها ، ولا يقابل الرحمة العامّة شئ من العذاب إذ كلّ ما يصدق عليه اسم شئ فهو من مصاديق الرحمة لنفسه أو لغيره ، وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة ، وليس وراء الشئ شئ » « 1 » .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 8 ص 275 274 .