السيد كمال الحيدري

373

المعاد روية قرآنية

الإنسان المريض المُبتلى بمرض السكّرى فقد يكون له سمّاً ، وهكذا هو حال العطاء الإلهى كما تقدّم . إذن الرحمة عند الله سبحانه وتعالى معناها إعطاء كلّ مستعدّ ما هو مستعدٌّ له ، فإذا هيّأت هذا الاستعداد وبدرجة واحدة فإنّ الله تعالى يعطيك بمقدار هذه الدرجة ، وبتعبير آخر : فإنّ الفيض النازل من السماء وإن كان واحداً لا تعدّد فيه ، إلا أنّ الاستعدادات مختلفة . أمّا اختلاف استعدادات الناس فلأنّ بعضها مرتبط بإرادة الإنسان وباختيار الإنسان ، وبعضها مرتبط بالنظام الأحسن الإلهى ، فانتخاب هذا الطريق الطيّب أو ذاك الطريق الخبيث مرتبط بالإنسان ، والله تعالى في نظامه الأحسن قال : يوجد في الإنسان طيّب وخبيث ، ولم يقل أنت فلان بن فلان طيّب وذاك خبيث . فالذي يعيّن هذا طيّب وهذا خبيث هو إرادة الإنسان واختياره . وإذا كانت الرحمة الإلهيّة بهذا المعنى فالسؤال : لماذا يُعطى لهذا عشرة ، ولهذا مئة ، ولهذا ألف . . . ؟ جوابه : إنّ الأمر تابعٌ ل أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا أي أنّ الاستعدادات كما ذكرنا مختلفة ، ومرجع هذا الاختلاف هو الإنسان الذي هيّأ استعداد البلد الطيّب ، وهيّأ استعداد البلد الخبيث ، وكذلك النظام الإلهى الأحسن بحسب التكوين ، لأنّ هذا النظام كما يقضى وجود العالم فيه يقتضى الجاهل أيضاً ، ومن هو إنسان ومن هو غنم وبقر ، فهذا أيضاً اختلاف في الاستعدادات ، إذ إنّ هذا الموجود استعداده أن يكون بقراً ، وهذا الموجود استعداده أن يكون إنساناً . ولو جعل الله تعالى في هذا النظام الكلّ إنساناً لكان هذا النظام ناقصاً ، وهكذا بالنسبة إلى الماء والنار ، فلابدّ أن يوجِد ماء ، وأن يوجِد ناراً ، ولابدّ