السيد كمال الحيدري
99
المعاد روية قرآنية
القرآن الكريم بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْراً ( الطلاق : 3 ) . والحاصل : أنّ الآية تريد القول بأنّ الله سبحانه وتعالى إذا قدّر أمراً فلا يمكن أن يكون مسبوقاً ويكونَ هناك شئ آخر سابقاً عليه ، فهذا غير ممكن ، ولابدّ لهذا التقدير من أن يقع ويحصل ويتحقّق . وهذا هو أحد أهمّ الفوارق بين الحقّ سبحانه وتعالى ، الغنىّ المطلق ، والقادر المطلق ، وبين غيره ، وهو أنّه إذا قدّر الشئ فإنّه لا يكون مسبوقاً ، أي لا يمكن أن يكون هناك من يسبقه على ما يقدّر بحيث يكون سابقاً وهو تعالى مسبوق . أمّا نحن فقد نقدّر شيئاً ولكن لا يقع ما نقدّر وما نريد ؛ لأنّه قد يوجد شئ ما يمنعنا ، وقد يوجد شئ يسبقنا ، فيكون سابقاً علينا ونكون نحن مسبوقين . وهذا هو الحال بالنسبة إلى تقدير الموت من الله تعالى حيث يقول : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وهذا التقدير لابدّ أن يتحقّق ، ولا يمكن لأىّ قدرة أن تمنع من تحقّقه ، ولا يوجد في ذلك تقديم أو تأخير ، أمّا الحال بالنسبة إلى تقدير الإنسان فيختلف ، فلو أنّك قدّرت الموت ، فالمقدّر قد يقع ، وقد يوجد ما يمنع من تحقّقه . وهناك مجموعة من الآيات القرآنيّة تشير إلى هذا المضمون ، ومنها : قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ( آل عمران : 185 ) . وقوله تعالى : فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ( الأعراف : 34 ، ويونس : 49 ، والنحل : 61 ) . فهل هذه الآيات وغيرها تعنى أنّ للإنسان أجلًا واحداً معيّناً لا يتقدّم ولا يتأخّر ؟ هذا ما سيتبيّن لنا في البحث القادم .