السيد كمال الحيدري

71

المعاد روية قرآنية

والقول بأنّ كثيراً من الكفّار والفاسقين ماتوا ولم يعذّبوا في الدُّنيا ، فأين هو عذابهم إذن ؟ أجاب عنه هؤلاء بنظريّة التناسخ ، والتي محصّلها أنّ هؤلاء آمنوا بعدل الله وحكمته ، وأنّ المؤمن المتّقى لابدّ أن يصل إلى ثواب عمله ، وأنّ الفاجر الفاسق لابدّ أن يصل إلى عقاب عمله ، ولكنّ ذلك يحدث في هذه النشأة بلا ضرورة لإثبات نشأة أخرى ، وأنّ هذه الروح قد تنتقل على سبيل المثال إلى بدن حيوان ، ويتمّ تعذيبها من خلال الانتقال إلى أبدان أخرى ، والمؤمن إنما ينعّم من خلال الإنتقال إلى أبدان أخرى . وليس البحث هنا للردّ على نظريّة التناسخ وكيفيّة إبطالها ، وإنّما غرضنا الأساس هو الإشارة إلى أنّ القرآن الكريم عرض لجملة من الأدلّة في آياته لبيان أنّ الجزاء إنّما يحصل في نشأة أخرى غير نشأة الدُّنيا ؛ منها : قوله تعالى : ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( الأنعام : 60 ) وهذا التعبير ورد في الكثير من الآيات القرآنيّة « 1 » . وقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِى يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ( الروم : 27 ) . وقوله تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( يونس : 34 ، ولاحظ النمل : 64 ، والروم : 11 و 27 ) . وقوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ( يونس : 4 ) وهذه الآية صريحة في أنّ الجزاء من حيث الثواب والعقاب لابدّ أن يكون عند الرجوع إليه سبحانه .

--> ( 1 ) راجع : آل عمران : 3 ، والمائدة : 48 و 105 ، والأنعام : 60 و 164 ، ويونس : 4 و 23 ، وهود : 4 ، والعنكبوت : 8 ، ولقمان : 15 ، والزمر : 7 .