السيد كمال الحيدري
64
المعاد روية قرآنية
وهذان البُعدان لا يجعلان من الإنسان مخلوقاً مركّباً ، لأنّ التركيب يوحى بالاثنينيّة ، ونحن لا نعتقد بأنّ الإنسان الواحد فيه اثنينيّة ، وإنّما هو حقيقة واحدة لها أبعاد مختلفة ، وبالتعبير الفلسفي لها مراتب وشؤون متعدّدة . ونحن سنحاول أن نقسّم هذه الشؤون والمراتب إلى بُعدين أساسيّين : البُعد الأوّل : أنّه موجود ، وجد من الأرض والتراب والطين ، فله بُعد أرضىّ مرتبط بهذه النشأة وبأحكامها وقوانينها . البُعد الثاني : هو البُعد الغيبي والملكوتي ، والذي لا يمكن أن يُحسّ بالحواسّ الظاهرة . وقد أشار القرآن الكريم إلى هذين البُعدين والشأنين في وجود الإنسان في قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَكِينٍ ( المؤمنون : 13 12 ) . وقوله تعالى : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى ( الحجر : 29 ) . وقوله تعالى : ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ( السجدة : 9 ) . فالخلق من الطين هو إشارة إلى البُعد الأوّل . والنفخ فيه من روح الله سبحانه إشارة إلى البُعد الثاني . وفى مقابل ذلك هناك من توهّم أنّ الإنسان ذو بُعد واحد إمّا مادّى على رأى وإمّا معنوي على رأى آخر ، وهذا ما نفاه علماء الإسلام وفلاسفته ، وأجمعوا على وجود هذين البُعدين في الإنسان ، ومن هؤلاء العلماء صدر الدِّين الشيرازي حيث يقول : « إنّ من توهّم أنّ حقيقة الإنسان مجرّد البدن ومزاجه ، زاغ عن الحقّ وقصر نظره على الجسم وأخلد إلى الأرض ، البدن غير مرتق عن هذه الهاوية المظلمة إلى ما فوقها ، فنظر إلى حقيقة الإنسان