السيد كمال الحيدري
187
المعاد روية قرآنية
تقريب ذلك بالموت أيضاً . فقد ذكر الفلاسفة في أحد تعاريفهم للموت أنّه الانقطاع إلى الله . فالإنسان مشغول في هذه النشأة بالأمور المادّيّة والدنيويّة ، بيدَ أنّه ينقطع عنها بالموت ويتّجه إلى الله سبحانه ، أي يعود إليه لأنّه غايته ، فيكون في مساره الوجودي قد بدأ منه وانتهى إليه ، فهو الأوّل وهو الآخِر « 1 » . إذا كان الأمر كذلك ، فإنّ الإنسان بدأ من الله وانتهى إلى هذا العالم ، ثمّ يبدأ مسيره من هذا العالم لينتهى إلى الله ، وقد قال تعالى : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ( السجدة : 5 ) وقال : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ( التين : 5 4 ) . ثمّ بعد ذلك أُمِر الإنسان بأن يرجع إلى الله : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ( فاطر : 10 ) ويَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ( الانشقاق : 6 ) . ومن هنا يبدأ السفر . وهذا ما ورد في تعبيرات العرفاء من أنّ للإنسان قوسين ؛ قوس النزول وقوس الصعود ، وإنّما جرى تشبيه هاتين الحركتين بقوسى النزول والصعود من أجل تشكيل دائرة من هذين القوسين ، وإلّا لو كانا خطّين مستقيمين فإنّهما لن يلتقيا . والإنسان قبل مجيئه إلى عالم الدُّنيا ، أي إلى هذه النشأة ، كان عنده عالم وهو عالم ما قبل عالم النشأة الدنيويّة ، ولذا قال الفلاسفة والحكماء بأنّ البرزخ على قسمين . ففي قوس النزول هناك برزخ ، وفى قوس الصعود هناك أيضاً برزخ .
--> ( 1 ) راجع للتوسّع : التوحيد ، بحوث في مراتبه ومعطياته ، السيّد كمال الحيدري ، بقلم : جواد على كسّار : ج 1 ص 79 .