السيد كمال الحيدري

158

المعاد روية قرآنية

وقدرة التحوّل ، تماماً كما هو الحال في القطعة من الحجر التي لو نظرنا إليها بعد مائة سنة أو مائتين أو خمسمائة سنة وتوفّرت لها شروط معيّنة فإنّها تتحوّل وتكون عقيقاً ، مع أنّ العقيق له حقيقة وخواصّ غير الخواصّ الموجودة في قطعة الحجر ، وهنا تغيّرت الذات ولم يتغيّر فقط الشكل واللون ونحوهما . وكذلك الأسمدة سواء كانت حيوانيّة أو كيمياويّة إذا وضعناها في التراب لتنمو بها الأشجار ، فنفس هذا السماد الذي كان نجساً ، وكان ذا رائحة كريهة ، يتحوّل بعد زمان ليصبح وردة فيها رائحة زكيّة ، فإنّها بذلك تتحوّل في ذاتها من شئ إلى آخر . والنفس الإنسانيّة بهذه الحركة يمكن أن تتحوّل لتكون جنّة لا أنّها تدخل الجنة فقط ، ولذا يقول القرآن الكريم : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ( الواقعة : 89 ) . فهو في النشأة الآخرة يكون روحاً وريحاناً وجنّة نعيم ، أو يكون قطعة من النار ، وجمرة من نار جهنّم . وما لم نقف على حقيقة نظريّة الحركة الجوهريّة والتحوّل الذاتي الموجود للنفس الإنسانيّة ، وهذه الخصوصيّة المهمّة فيها ، لا يمكن أن نفهم حقيقة الجنّة ولا حقيقة النار ؛ لأنّنا في تصوّرنا للجنّة نعتقد أنّها عبارة عن بستان يدخل إليه الإنسان ، ونتصوّر النار على أنّها حفرة يُرمى الإنسان فيها ، والبيانات القرآنيّة والأدلّة العقليّة تثبت أنّ الإنسان ذاته تتحوّل من شئ إلى شئ آخر ، فيكون بحقيقته إمّا جنّة ودرجة من درجاتها ، وإمّا نار ودركة من دركات الجحيم . وبهذا البيان يظهر الفارق ما بين الأنبياء والأولياء والأوصياء والمؤمنين والمتّقين ، وبين الكفّار والفسّاق والملحدين والمشركين ، إذ إنّ الفارق ليس