عبد الجواد خلف
40
مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن
بمصنفاتها وبحوثها ، في الوقت الذي تجنب فيه كتاب الوحي مظنة الخلط بين تدوين القرآن الكريم وتدوين السنة المشرفة ، فقد أمن اللبس والخلط بينهما تماما بسبب ظهور هذا النهى الرسمي المبكر . حتى إذا كان مطلع القرن الثاني الهجري حفزت مجموعة من الأسباب والبواعث همّة عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين إلى إصدار أمره إلى ابن شهاب الزهري بجمع السنة وتدوينها . وكان هذا أول أمر رسمي بتدوين وكتابة السنة . غير أن المنيّة لم تمهل هذا الخليفة العظيم حتى يرى ثمرة أمنيته وقد تحققت ، بل لم يقدّر للسنة النبوية أن تجمع كلها من صدور الرجال في كتاب واحد . ولكن لم ينته القرن الثالث الهجري حتى دونت أهم كتب المسانيد والصحاح وهما مسند الإمام أحمد بن حنبل ، وصحيح أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، وحتى وقت جمع هذين السفرين الجليلين من صدور الرواة إلى سطور الصحف كانت السنة غالبا تحفظ في الصدور ، ويتلقاها الخلف عن السلف شفاها في حرص شديد ، ودقة تامة . وكان هذا هو الحال الغالب والأعم بالنسبة للسنة النبوية ، وإن كان قد وجد بعض الصحف المكتوبة سواء في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أم في عهد الصحابة رضي الله عنهم ، غير أن هذه الصحف لم تكن من الغلبة والكثرة بالقدر الذي يمكننا من إصدار حكم قاطع بأن السنة قد دونت وجمعت كلها كما دون القرآن وجمع . ولما كان حظ السنة في القرون الثلاثة الأولى الغالب عليها « الرواية » ، فقد حرص النقاد من حفاظ الحديث حرصا شديدا على تتبع رواة السنة ونقلتها ، وتمييز مروياتهم من مرويات غيرهم من الضعفاء والمتهمين بقلة الأمانة في نقل مأثور الكلام عن المعصوم صلّى اللّه عليه وسلّم ، لما في « الرواية » شفاها من مظنة الخطأ وضعف