عبد الجواد خلف
210
مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن
والجواب : إنما كان ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير طلب أو إلحاح لطريق مقطوع به ، فيسرعون إلى الاستجابة بأيسر شئ كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام ، والمنام أدنى طرق الوحي « 1 » . وبعض أهل العلم ينكر هذا النوع من النسخ ، لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد . وقد يقال : كيف يقع النسخ إلى غير بدل ، والله تعالى يقول ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها . وهذا وجه ليس له بدل من مثله ؟ ويجاب عن ذلك : بأن كل ما ثبت الآن في القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته ، وكل ما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن ، فقد أبدله بما علمناه ، وتواتر إلينا لفظه ومعناه « 2 » . الثاني : نسخ الحكم وبقاء التلاوة : ومثاله : نسخ حكم آية العدة بالحول مع بقاء تلاوة الناسخ والمنسوخ وهذا النوع هو الذي ألفت فيه الكتب ، وذكر المؤلفون فيه الآيات المتعددة ، وإن حقق العلماء أنها معدودة ، بل ومحصورة في زهاء عشرين آية . وقد يقال : ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فإنه يتلى كذلك لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت تلاوته لذلك .
--> ( 1 ) البرهان للزركشى 2 / 35 . ( 2 ) الإتقان للسيوطي 3 / 77 .