الشيخ محمد علي التسخيري
97
محاضرات في علوم القرآن
والواقع أنّ لفظ المكّيّ والمدنيّ ليس شرعيّا حدّد النبيّ مفهومه لكي نحاول اكتشاف ذلك المفهوم ، وإنّما هو مجرّد اصطلاح تواضع عليه علماء التفسير ، وما من ريب في أنّ كلّ أحد له الحق في أن يصطلح كما يشاء ، فلسنا هنا نريد أن نخطّئ الاتّجاه الأوّل أو الاتّجاه الثاني ما دام لا يعبّر كلّ منهما إلّا عن اصطلاح من حق أصحاب ذلك الاتّجاه أن يضعوه ، ولكنّا نرى أنّ وضع مصطلح المكّيّ والمدنيّ على أساس الترتيب الزمنيّ كما يقرّره الاتّجاه الأوّل أنفع للدراسات القرآنية ؛ لأنّ التمييز من ناحية زمنيّة بين ما انزل من القرآن قبل الهجرة وما انزل بعدها أكثر أهميّة للبحوث القرآنيّة من التمييز على أساس المكان بين ما انزل على النبيّ في مكة وما انزل عليه في المدينة ، فكان جعل الزمن أساسا للتمييز بين المكّيّ والمدنيّ واستخدام هذا المصطلح لتحديد الناحية الزمنية أوفق بالهدف . وتتجلّى أهميّة التمييز الزمنيّ من التمييز المكاني في نقطتين : إحداهما فقهيّة أي إنّها ترتبط بعلم الفقه ومعرفة الأحكام الشرعيّة وهي أنّ تقسيم الآيات على أساس الزمن إلى مكّيّة ومدنيّة وتحديد ما نزل قبل الهجرة وما نزل بعد الهجرة يساعدنا على معرفة الناسخ والمنسوخ ؛ لأنّ الناسخ متأخّر بطبيعته على المنسوخ زمانا ، فإذا وجدنا حكمين ينسخ أحدهما الآخر استطعنا أن نعرف الناسخ عن طريق التوقيت الزمني فيكون المدنيّ منها ناسخا للمكّيّ لأجل تأخّره عنه زمانا . والأخرى هي أنّ التقسيم الزمنيّ للآيات إلى مكّية ومدنيّة يجعلنا نتعرّف على مراحل الدعوة التي مرّ بها الإسلام على يد النبي صلّى اللّه عليه وآله ؛ فإنّ الهجرة المباركة ليست مجرّد حادث عابر في حياة الدعوة وإنّما هي حدّ فاصل بين مرحلتين من عمر الدعوة ، وهما مرحلة العمل الفردي ومرحلة ضمن دولة . ولئن كان بالامكان