الشيخ محمد علي التسخيري
77
محاضرات في علوم القرآن
اللّه صلّى اللّه عليه وآله مخلوقا ضعيفا بين يدي ربّه ذي القدرة الظاهرة . ويبدو لنا أيضا كامل الوعي للفرق بين ذاته المأمورة وذات اللّه الآمرة . وبوعيه الكامل هذا كان عليه السلام يفرّق بوضوح بين الوحي الذي ينزل عليه وبين أحاديثه الخاصّة التي كان يعبّر عنها بإلهام من اللّه . لذلك نهى عليه السلام أوّل العهد لنزول الوحي عن تدوين شيء منه سوى القرآن ؛ لكي يحفظ للقرآن صفته الربّانية ، ويحول دون اختلاطه بشيء ليست له هذه الصفة القدسية بينما كان عند نزول الوحي - ولو آية أو بعض آية - يدعو أحد الكتبة فورا ليدوّن ما نزل من القرآن . الشكل الثاني : يبدو النبيّ في القرآن الكريم بمظهر الخائف من ضياع بعض الآيات القرآنية ونسيانها ، الأمر الذي كان يدعوه إلى أن يعجل بقراءة القرآن ، قبل أن يقضى إليه وحيه ويأخذ بترديده ويجهد نفسه وفكره من أجل أن لا يفوته شيء من ذلك ، ويتّضح هذا في قوله تعالى وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً « 1 » لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ « 2 » . ولا يسعنا إزاء هذه الحقيقة إلّا أن نعترف باستقلال ظاهرة الوحي عن ذات النبي صلّى اللّه عليه وآله استقلالا مطلقا ، وتفرّدها عن العوامل النفسيّة تفرّدا كاملا ، فالنبيّ لا يملك حتى حقّ استخدام ذاكرته في حفظ القرآن ، بل اللّه يتكفّل بتحفيظه إيّاه . وقانون
--> ( 1 ) طه : 114 . ( 2 ) القيامة : 16 - 19 .