الشيخ محمد علي التسخيري
78
محاضرات في علوم القرآن
التذكّر نفسه بطل الآن سحره وعفا أثره تجاه إرادة اللّه . فكيف لا يعي النبي - بعد هذا كله - الفرق العظيم بين ذاته المأمورة وذات اللّه الآمرة وهو يرى بنفسه أنّه لا يملك من أمر نفسه شيئا ؟ ! الشكل الثالث : يبدو النبيّ من خلال تاريخ نزول القرآن أنّه كان مقتنعا بأنّ التنزيل القرآني مصحوب بانمحاء ارادته الشخصيّة وأنّه منسلخ عن الطبيعة البشرية حتى ما بقي له - عليه الصلاة والسلام - اختيار فيما ينزل إليه أو ينقطع عنه . فقد يتتابع الوحي ويحمى حتى يشعر أنه يكثر عليه . وقد يفتر عنه ويشعر أنّه أحوج ما يكون إليه . فقد كان الوحي ينزل على قلبه - صلوات اللّه عليه - في أحوال مختلفة فإنّه ليأوي إلى فراشه فما يكاد يغفو إغفاءة حتى ينهض ويرفع رأسه مبتسما فقد أوحيت إليه سورة الكوثر ( الخير الكثير ) . وإنّه ليكون وادعا في بيته وقد بقي من الليل ثلثه ، فتنزل عليه آية التوبة في الثلاثة الذين خلّفوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ . وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ . وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ « 1 » إنّ الوحي لينزل على قلب النبي في الليل الدامس والنهار الاضحيان وفي البرد القارس أو لظى الهجير ، وفي استجمام الحضر أو أثناء السفر ، وفي هدأة السوق أو وطيس الحرب .
--> ( 1 ) التوبة : 118 .