الشيخ محمد علي التسخيري

76

محاضرات في علوم القرآن

يقتنع من أعماق قلبه ونفسه بالفرق بين الذات الإلهية الآمرة الملقية والذات المحمّدية المطيعة المتلقّية . ثم يزداد هذا الفرق وضوحا بين ذات اللّه المتكلّم منزل الوحي وصفاته وبين ذات رسوله المخاطب متلقّي الوحي وصفاته ، في الآيات التي يعتب اللّه على نبيّه عتابا خفيفا أو شديدا ، أو يعلمه فيها بعفوه عنه وغفرانه ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر . فمن العتاب الخفيف المقترن بالعفو خطابه لرسوله في شأن من أذن لهم بالقعود عن القتال في غزوة التبوك عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ « 1 » لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ « 2 » . وأشدّ من هذا ما يوجّه إلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله من الإنذار والتهديد في مثل قوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وقوله تعالى وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً « 3 » . وهذا الإنذار يبلغ القمة ، فيستصغر بعده كلّ تهديد وكلّ وعيد حين يقول اللّه وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ « 4 » . ومن خلال هذه الآيات المتوعّدة المنذرة ، وتلك العاتبة المؤدّبة يبدو لنا رسول

--> ( 1 ) التوبة : 43 . ( 2 ) الفتح : 2 . ( 3 ) الاسراء : 74 - 75 . ( 4 ) الحاقة : 44 - 47 .