الشيخ محمد علي التسخيري

72

محاضرات في علوم القرآن

2 ) المحتوى الداخلي للظاهرة القرآنية يناقض نظرية الوحي النفسي إنّ لسعة النظرية القرآنية وآفاقها المتعددة ومجالاتها المتشبعة ، أهمّية كبرى في رفض نظرية الوحي النفسي ؛ إذ إنّ هذا الاتّساع والشمول لا يتّفق مع طبيعة المصادر التي تفرضها النظرية . ويتضح ذلك عندما نلاحظ الأمور التالية : الأوّل : إنّ الموقف العام للقرآن الكريم تجاه الديانتين اليهودية والمسيحية ، هو موقف المصدّق لهما والمهيمن عليهما . فقد صدّق القرآن الكريم الأصل الإلهي لهاتين الديانتين وارتباطهما بالمبدأ الأعلى . كما جاء مهيمنا ورقيبا وحاكما على ما فيهما من ضلالات . وجاءت هذه الرقابة دقيقة شاملة . فلم تترك مفهوما أو حكما أو حادثة إلّا ووضعت المقياس الصحيح فيه . ولا يمكن أن تتصور محمّدا صلّى اللّه عليه وآله - وهو يأخذ عن أهل الكتاب - يتمكن من أن يصفهم بالجهل والتحريف والتبديل بمثل هذا اليقين والثبات ، ويوضح الموقف الصحيح في المسائل الكبرى التي اختلفوا فيها أو خالفوا الواقع الصحيح للديانة ثم تأتي نظريته بعد ذلك كلمة شاملة ودقيقة ليس فيها تناقض ولا اختلاف . ولكنّ محمّدا لم يكن قد أخذ منهم شيئا . وإنّما تلقّى كل ذلك عن الوحي الإلهي الذي جاء مصدّقا لما سبقه من الوحي ومهيمنا على الانحراف والتحريف معا . الثاني : ونجد القرآن أيضا يخالف التوراة والإنجيل في بعض الأحداث التاريخية ، فيذكرها بدقّة متناهية ويتمسّك بها بإصرار ، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يتجاهل على الأقل ، تفاديا للاصطدام بالتوراة والإنجيل . ففي قصّة موسى يشير القرآن إلى أنّ التي كفلت موسى هي امرأة فرعون ، مع أنّ