الشيخ محمد علي التسخيري

55

محاضرات في علوم القرآن

وقد صوّر المستشرق المسلم ( محمّد أسد ) هذه الروح الصليبية وتأثيرها في أبحاث المستشرقين في كتابه ( الإسلام على مفترق الطرق ) كالتالي : « لا تجد موقف الأوربي موقف كره في غير مبالاة فحسب كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات عن الإسلام بل هو كره عميق الجذور يقوم في الأكثر على جذور من التعصّب الشديد . وهذا الكره ليس عقليّا فقط ولكنه أيضا يصطبغ بصبغة عاطفية قوية . وقد لا تقبل أوربا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية ، ولكنّها تحتفظ دائما فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف متزن ومبنيّ على التفكّر . إنّها حالما تتّجه إلى الإسلام يختلّ التوازن ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب . حتّى أنّ أبرز المستشرقين الاوربيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزّب غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام ويظهر في جميع بحوثهم على الأكثر ، كما أنّ الإسلام لا يمكن أن يعالج على أنّه ( موضوع بحث ) في البحث العلمي بل إنّه متهم يقف أمام قضاته . « 1 » إنّ بعض المستشرقين يمثّلون دور المدّعي العام الذي يحاول إثبات الجريمة وبعضهم يقوم مقام المحامي في الدفاع ، فهو مع اقتناعه شخصيّا بإجرام موكله لا يستطيع أكثر من أن يطلب له مع شيء من الفتور اعتبار الأسباب المختلفة . وعلى الجملة فإنّ طريقة الاستقراء والاستنتاج التي يتّبعها أكثر المستشرقين تذكّرنا بوقائع دواوين التفتيش ، تلك الدواوين التي أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية لخصومها في العصور الوسطى أي إنّ تلك الطريقة لم يتّفق لها أبدا إن نظرت في القرائن التأريخية بتجرّد وغير تحزّب .

--> ( 1 ) راجع الإسلام على مفترق الطرق .