الشيخ محمد علي التسخيري
52
محاضرات في علوم القرآن
من مفاخر القرن العشرين لأنّها تزعم أنّها لا تخضع - في بحث المسائل وإصدار الأحكام - لأيّ أثر حزبي أو مذهبي أو عاطفي ممّا يتأثّر به الإنسان العادي كان يظن أن هذا القرن العشرين لا يصدر فيه مثل تصوير رينان المتحيّز للتثليث المسيحي ضدّ التوحيد الإسلامي ، ولكنّ مجلة أمريكية يصدرها الدكتور « كريج » مدير مؤسسه هارتفورد للدراسات الدينية الشرقية ردّد هذا التصوير في شرح آية ( إلى اللّه المصير ) فنقول ما ترجمته : ( أنّ إله الإسلام متكبّر جبّار مترفّع عن المبشرية يطلب أن يسير العابد نحوه . بينما إله المسيحية عطوف متواضع يتودّد للناس فظهر في صورة بشر وذلك هو الإله الابن ، فعقيدة التثليث في المسيحية قرّبت الإنسان من الإله وأعطته نموذجا رفيعا واقعيا في حياته يسعى ليتقرّب منه . أمّا عقيدة التوحيد فباعدت بين الإنسان والإله وجعلت الإنسان متشائما من شدّة الخوف منه ومن جبروته وكبريائه ) . ونجد مثل هذا الاتجاه المتحيّز والموقف الملتزم في تفسير أكثر المبادئ الإسلامية روعة وأعظمها أثرا وفاعلية . فمبدأ الزكاة يفسّر على « أنّ الأموال مادّية في نظر الإسلام هي من أصل شيطان نجس ويحلّ للمسلم أن يتمتّع بهذه الأموال شريطة أن يطهّرها وذلك بارجاع هذه الأموال إلى اللّه » . « 1 » وكأنّه أخذ هذا التفسير الخاص لمبدأ الزكاة من قوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ . ولم يفهم أنّ الضمير يرجع إلى الناس لا إلى الأموال وأنّ الطهارة روحية لا طهارة مادّية حسّية . وليس هذا التفسير للزكاة اختص به هذا المبشّر بشكل خاص وإنّما يردّده غيره
--> ( 1 ) دراسة الإسلام في إفريقيا السوداء لمؤلفه فيليب فونداسي .