الشيخ محمد علي التسخيري
209
محاضرات في علوم القرآن
جوانب صالحة في حياة الإنسانية تمثّل فطرة الإنسان أو تجاربه الخيّرة ، فمن الطبيعي للقرآن أن يقرّ بعض الجوانب ويشجب أكثر الجوانب في عمليّة التغيير العظيم التي مارسها . وحتّى هذا الذي أقرّه وضعه في إطاره الخاصّ وربطه بأصوله وقطع صلته بالجاهلية وجذورها . ب ) وفي تدرّج القرآن الكريم في التشريع قد يخيّل لمن ينطلق من القاعدة الخاطئة التي تقول ببشرية القرآن أنّ التدرّج بتكامل شخصية الرسول صلّى اللّه عليه وآله أو غير ذلك من الأسباب التي تفترض أنه إيحاء بشري . غير أنّ الواقع أن هذا التدرّج يرتبط بطبيعة عملية البناء التي يمارسها القرآن ؛ لأنّ القرآن لم ينزل ليكون كتابا علميا يدرسه العلماء وإنّما نزل لتغيير الإنسانية وبنائها من جديد على أفضل الأسس ، وعملية التغيير تتطلب التدرّج . ج ) وفي القرآن الكريم نجد كثيرا من التشريعات والمفاهيم الحضارية التي كانت متبنّاة من قبل الشرائع السماويّة الأخرى كاليهودية والنصرانية . وقد يخيّل لمن يدرس القرآن على أساس القاعدة الخاطئة بأنّ القرآن قد تأثّر في ذلك بهذه الأديان فانعكس هذا الانفصال بالتالي على القرآن نفسه . ولكن الواقع - وعلى أساس المفهوم الصحيح - أنّ القرآن يمثّل الإسلام الذي هو امتداد لرسالات السماء وخاتمها . ومن الطبيعي أن تشتمل الرسالة الخاتمة على الكثير مما احتوته الرسالات السماوية السابقة ، وتنسخ الجوانب التي لا تتلاءم مع التطوّرات النفسيّة والفكريّة والاجتماعيّة للمرحلة التي وصل إليها الفرد الإنساني بشكل عام ؛ لأنّ مصدر الرسالات هذه كلّها شيء واحد وهو اللّه سبحانه ، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار إيمان الإسلام بهذه الوحدة في مصدر الرسالات وتأكيده عليها .