الشيخ محمد علي التسخيري
210
محاضرات في علوم القرآن
ثانيا : وبعد سلامة القاعدة الأساسية في فهم القرآن وتقييمها يجب أن يتوفّر في المفسّر مستوى رفيع من الاطّلاع على اللغة العربية ، ونظامها لأنّ القرآن جاء وفق هذا النظام ، فما لم تكن لدينا صورة عن النظام العامّ للّغة العربية لا نستطيع أن نستوعب معاني القرآن ، فيحتاج المفسّر إلى الاطّلاع على علم النحو والصرف والبيان وغيرها من العلوم العربية . والقدر اللازم توفّره من هذا الشرط يختلف باختلاف الجوانب التي يريد المفسّر معالجتها من القرآن الكريم . فحين يريد أن يدرس فقه القرآن مثلا ، لا يحتاج إلى التعمّق في أسرار اللغة العربية بالدرجة التي يحتاجها المفسّر إذا درس الفن القصصي في القرآن أو المجاز في القرآن مثلا . ثالثا : ولا بدّ للمفسّر أن يحاول إلى أكبر درجة ممكنة الاندماج كلّيا في القرآن عند تفسيره . ونقصد بالاندماج في القرآن أن يدرس النص القرآني ويستوحي معناه دون تقيّد سبق باتّجاه معيّن غير مستوحي من القرآن نفسه ، كما يصنع كثير من أصحاب المذاهب الذين يحاولون في تفسيرهم إخضاع النصّ القرآني لعقيدتهم المذهبية ، فلا يدرسون النصّ ليكتشفوا اتّجاهه بل يفرضون عليه اتّجاههم المذهبي ويحاولون فهمه دائما ضمن اطارهم العقائدي الخاصّ . وهذا ليس تفسيرا وإنّما هو محاولة تبرير للمذهب وتوفيق بينه وبين النص القرآني ، ولهذا كان من أهمّ الشروط في المفسّر أن يكون بدرجة من التحرّر الفكري تتيح له الاندماج بالقرآن ، وجعله قاعدة لتكوين أي إطار مذهبيّ ، بدلا عن جعل الاتّجاه المذهبي المحدود قاعدة لفهم القرآن . رابعا : وأخيرا لا بدّ للمفسّر من منهج عام للتفسير ، يحدّد فيه عن اجتهاد علمي طريقته في التفسير ، ووسائل الإثبات التي يستعملها ، ومدى اعتماده على ظهور اللفظ وعلى السّنة وعلى أخبار الآحاد وعلى القرائن العقلية في تفسير النصّ