الشيخ محمد علي التسخيري
176
محاضرات في علوم القرآن
وقد اعتبر الاطّلاع الواسع على مفردات اللغة من قبل ابن عباس أساس امتيازه في التفسير وعلوّ شأنه . وهذا الطابع العام نجده أيضا في محاولات بقيّة الصحابة والتابعين أيضا . فإذا لاحظنا صحيح البخاري - وهو أحد الكتب التي تتعرّض للتفسير في هذه المرحلة - نجده يذكر التفسير في حدود هذه المشكلة ذاتها ولا يكاد يتعدّاها . وهذا الشيء نفسه نجده عندما نلاحظ الكتب التفسيرية الأخرى التي تنقل إلينا آراء الصحابة والتابعين بدقة . وإلى جانب هذا الاستقراء توجد لدينا بعض الشواهد التاريخية ذات الدلالة البينة على طبيعة المرحلة والتزام الصحابة لحدودها في محاولاتهم التفسيرية . فقد روي أنّ رجلا يقال له : ( ابن صبيغ ) قدم المدينة - في زمن عمر بن الخطّاب - فجعل يسأل عن متشابه القرآن . فأرسل إليه الخليفة وضربه بعراجين النخل حتى ترك ظهره دبره ، ثمّ تركه حتى يرى ، ثم عاد . وبعد أن تكرر ذلك للمرّة الثالثة دعا به ليعود . فقال ابن صبيغ ضارعا : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا أو ردّني إلى أرضي بالبصرة . فأذن له إلى أرضه ، وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألّا يجالسه أحد من المسلمين . « 1 » وهذه الرواية تدلّنا على مدى استنكار الصحابة للدخول في مشاكل عقلية حول فهم القرآن الكريم وتفسيره ؛ لأنّ البحث في المتشابهات يتّصف بالطابع العقلي دون اللغوي . ويمكن أن نفهم الشيء ذاته من جميع النصوص التي وردت في النهي عن تفسير
--> ( 1 ) جولد تسيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 74 . نقلا عن لوائح الأنوار البهية .