الشيخ محمد علي التسخيري
154
محاضرات في علوم القرآن
الفقه بردّ المتشابه إلى المحكم ، فتشحذ قرائحهم ويطول نظرهم ويتّصل فكرهم بالبحث عن معاني فيثابون على اجتهادهم ويتميّز العالم من غيره ، ولو كان كله محكما لاستوى في معرفته العالم والجاهل ولماتت الخواطر وجمدت القرائح ، إلى غير ذلك مما يذكر . فالطائفة الثانية هذه حججها . وأمّا الطائفة الأولى فحجّتهم الوحيدة هي أنّ اللّه تعالى أراد أن يتعبّد العباد بذلك . « 1 » وواضح أنّ هذا الرأي قائم على أنّ المتشابه هو ممّا استأثر اللّه تعالى بعلمه ، وهو يعني ما لا سبيل للعلماء إلى معرفته . والحقيقة أنّ حجة الطائفة الأولى الذاهبة إلى أنّ المتشابه ممّا استأثر اللّه تعالى بعلمه غير ناهضة ، والموارد التي مثّلوا بها من أوّل الكلام ، فهي كلها غير معلومة فقد مثّلوا بالصفات ، صفات الخالق تعالى وقد حدّدها العلماء واختلفوا فيها . ومن المجموع يعلم كنهها برد المتشابه منها إلى المحكم ، وكذلك الحروف المقطّعة في أوائل السور ، وكذلك معرفة الساعة وأنّها القيامة وهو المطلوب من فهم الآية ، أمّا وقت الساعة فهو ما استأثر اللّه تعالى بعلمه . ولكنّ وقت الساعة والروح لا يشكّل نوعا كبيرا يستحق هذا الاهتمام الذي يصل إلى حدّ تصنيف القرآن الكريم إلى ما يفهم وما لا يفهم ؛ لأنه تعالى أراد أن لا يفهم ليتعبّد بذلك الناس ، وهو بمجموعة لا يتعدّى بضع كلمات حتى لو استقام القول بأنّ هناك في القرآن الكريم قسما قد تعبّد اللّه تعالى الناس به بأن استأثر بعلم مضامينه وأنزله مجرّد لفظ ليسطر بالكتاب ؛ فإنّ هذه العمليّة فعل ، وأفعال اللّه تعالى كلها موسومة بالعدل والحكمة ، منزّهة عن
--> ( 1 ) انظر المصادر الأربعة التي سبقت هذا المقطع ، وهي تفسير الرازي وصفوة البيان وتفسير المراغي والمصحف المفسّر .