الشيخ محمد علي التسخيري

147

محاضرات في علوم القرآن

وقد يعذر الزمخشري لما أسلفنا من خلوّ عصره من المعلومات ، ولكن لما ذا يذهب المتأخّرون إلى نفس المفارقة ؟ ! . وعلى كلّ حال أرأيت هذا الجزم والحصر من الزمخشري بقوله : إنّما ذكر القلوب لأنّها مراكز التقوى ، ولم يترك مجالا لأيّ احتمال آخر قد يكون ذكر القلب لأجله . ونظائر ذلك كثير عند المفسّرين حتى المتأخرين منهم الذين يعيشون وثبات التكنولوجيا وقفزاتها الجبّارة ، وهم مع ذلك قد يقصرون في تفاسيرهم القرآن على حضارة عصرهم غير ملتفتين إلى أنّه معدّ لكلّ الأجيال ، فلا بدّ أن يأخذ كلّ جيل منه جديدا أو يكون أخذه حسب استعداده ، قال تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها « 1 » . الشعبة الثانية : ما أسميته إغفال ما يتصوّره بعض المفسّرين بأنّه ليس محلّ ابتلاء بذلك فإنّ بعض الباحثين في القرآن درجوا على أن يبحثوا منه ما هو محلّ حاجة في عصرهم ، ومن الملاحظ الآن أنّ الفقهاء عندما يبحثون مواضيع الفقه لا يبحثون بعض المواضيع التي هي ليست محل حاجة فعليّة بغضّ النظر عمّا إذا كانت محلّ حاجة مطلقا . والحقيقة أنّ بعض المواضيع التي لم تبحث تركت ثغرة بارزة وتساؤلا على شفاه الكثيرين من المعنيين بشؤون الإسلام فهم يعلمون مثلا أنّ الإسلام - فضلا عن الجانب النظري - قد حكم فعلا وكانت له تجربة فريدة في الحكم ، وقد دلّت التجربة ذاتها على كونها في منتهى النضوج والتكامل ، فلما ذا لم تدوّن

--> ( 1 ) الرعد : 29 .