الشيخ محمد علي التسخيري

140

محاضرات في علوم القرآن

عليه حربا لا هوادة فيها ، وأقصد هنا بالاستغلال معناه التعيّني ، أي الاستثمار بدون مبرّر شرعي . ومع وضوح هذا المعنى في الأحكام الإسلامية نجد بعضهم يميل إلى شبه تؤدّي إلى أنّ الإسلام يجيز الاستغلال . 1 . فمن ذلك ما ذهب إليه بعض مفكّري المسلمين في موضوع حرمة الربا ، فأرادوا حلّا وسطا بين تعطيل المعاملات وإيقاف الحركة التجارية ، وبين صراحة حرمة الربا . فالتمسوا دليلا في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ « 1 » . فقالوا : إنّ القرآن لم يحرّم من الربا إلّا ما كان أضعافا مضاعفة ، أي إلّا ما يصل إلى مثل رأس المال أو يزيد عليه . مع أنّ استنتاجهم من الآية لا يمكن أن يستقيم وما قال أحد به ؛ ذلك أن أضعافا وصف للربا لا لرأس المال ، وإذا كان كذلك فينبغي أن لا يحرم من الربا إلّا ما يبلغ ستمائة بالمائة 600 % وذلك لأنّ كلمة أضعاف جمع ، والضعف يكون بقدر الأصل مرّتين ، ومرّتين في ثلاثة يساوي ستّة ، ولا قائل بذلك قط . « 2 » وبتعبير علميّ نقول : إنّ هؤلاء استدلّوا بمفهوم الوصف إذ اعتبروا أنّ الوصف - وهو « أضعافا » - قيد للحكم وهو المنع بينما هو قيد للموضوع وهو الربا ، وبناء على ذلك فلا مفهوم للوصف . وحتى لو سلّمنا بوجود مفهوم للوصف فهو إنّما يكون إذا لم توجد قرينة على خلافه ، والقرينة هنا موجودة ، وهي أنّه أورد مورد الغالب ، أي إنّ الربا ليس دائما يكون أضعافا مضاعفة ، ولذلك ذهب الطبرسي في مجمع

--> ( 1 ) آل عمران : 130 . ( 2 ) انظر الربا في القانون الإسلامي للدكتور محمّد عبد اللّه دراز ، مجلة الإسلام السنة 13 ، ص 68 - 73 .