الشيخ محمد علي التسخيري

115

محاضرات في علوم القرآن

هذا هو الذي يفسّر لنا غلبة المكّي على المدنيّ من الناحية الكمّية مع أنّ الفترة المدنيّة تبدو - تاريخيا - وكأنّها زاخرة بالأحداث الجسام والمجتمع المدنيّ أكثر تعقيدا ومشاكل . كما أنّ هذا بنفسه - بالإضافة إلى الفكرة التي أشرنا إليها وهي مراعاة الظروف التي تسير بها الدعوة - يفسّر لنا هذه الخصائص والميزات التي غلبت على المكّي من جانب والمدنيّ من جانب آخر . فأما بالنسبة إلى الخصيصة الأولى تلاحظ أنّ المجتمع المكّي كان مجتمعا يتّسم بطابع الوثنية في الجانب العقيدي بالإضافة إلى أنّ إيضاح الموقف تجاهها يشكل نقطة أساسية في القاعدة للرسالة الجديدة لأنّها تتبنّى التوحيد الخالص كأساس لكلّ جوانبها وتفصيلاتها الأخرى . فكان من الطبيعي التأكيد على فكرة رفض الشرك والوثنية والدخول في مناقشة طويلة معها بشتّى الأساليب والطرق . وبالنسبة إلى الخصيصة الثانية نلاحظ أنّ المجتمع المكّي لم يكن يؤمن بفكرة الإله الواحد كما لا يؤمن بعوالم الغيب والبعث والجزاء والوحي وغير ذلك . وهذه الأفكار من القواعد الأساسية للرسالة والعقيدة الإسلامية ، بالإضافة إلى أنّ مجتمع أهل الكتاب كان يؤمن بهذه الأصول جميعا . فكان من الضروري أن يؤكّد القسم المكّي على ذلك انسجاما مع طبيعة المرحلة المكّية التي تعتبر مرحلة متقدمة ، كما أنّ بيانها في هذه المرحلة يجعل المرحلة الثانية في غنى عن بيانها مرة أخرى . وبالنسبة إلى الخصيصة الثالثة فلعلّ التأكيد على الأخلاق في القسم المكّي دون المدنيّ كان بسبب العوامل الثلاثة التالية : الف ) أن الأخلاق تعتبر قاعدة النظام الاجتماعي ، فالتأكيد عليها يعني في الحقيقة إرساء لقاعدة النظام الاجتماعي الذي يستهدفه القرآن . ب ) كما أنّ الدعوة كانت بحاجة - من أجل نجاحها - إلى استثارة العواطف