ابراهيم بن محمد البيهقي
419
المحاسن والمساوئ
السّخل غرّ وهمّ الذّئب غفلته * والذّئب يعلم ما بالسّخل من طيب فلمّا قرأ الرشيد الرقعة قال : انظروا أن لا يكون هذا المعلّم لوطيّا انفوه من الدار . فأخرجوه عن تأديب الأمين واتّخذ عليه حمّادا ، وجعل عليه ثمانين من الرّقباء . قال : ولمّا وسم قطرب بهذه السّمة القبيحة خاف أن يلحقه بعض ما يكره فهرب إلى الكرج « 1 » وتوسّل إلى أبي دلف ومعقل ببراعة الأدب ، فلمّا عرفا غزارة فنّه ووقفا على معرفته اصطفياه لأنفسهما وأحلّاه محلا رفيعا وقدّماه على جميع أهل الأدب وأرغدا له في العطيّة ، فلمّا رأى قطرب برّهما به وإلطافهما به رغب في المقام بالكرج وأثرى وكثر ماله . فيقال : إن أصل هذه الآداب التي وقعت بالكرج إلى أبي دلف ومعقل من علم قطرب وتصنيفه الكتب . وإنّ المأمون سأل أبا دلف : من خلّفت بالجبل منسوبا إلى الأدب ؟ قال : ما خلّفت غير قطرب . فقال المأمون : صدقت ، إنّ لقطرب لمحلّا من هذا الشأن . وعن أبي محمّد اليزيدي قال : كنت أؤدّب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري ، فأتيته يوما وهو داخل فوجّهت إليه بعض غلمانه يعلمه بموضعي فأبطأ عليّ ثمّ وجهت إليه آخر فأبطأ ، فقلت لسعيد : إن هذا الفتى ربّما تأخّر وتشاغل بالبطالة . قال : أجل ومع هذا إذا تأخّر تعرّم على خدمه ولقوا منه أذى فقوّمه بالأدب . فلمّا خرج أمرت بحمله وضربته تسع درر ، قال : فإنّه ليدلك عينه من أثر البكاء إذ أقبل جعفر بن يحيى فاستأذن وأخذ منديلا فمسح عينيه وجمع ثيابه وقام إلى فراشه وقعد عليه متربّعا ثمّ قال : يدخل . فدخل وقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه فألقى منه ما أكره . قال : فأقبل عليه بوجهه وحديثه حتى أضحكه وضحك . فلمّا همّ بالحركة دعا بدابّته وأمر غلمانه فسعوا بين يديه ثمّ سأل عني فجئت فقال : خذ ما بقي من حزني . فقلت : أيّها الأمير لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر ولو فعلت ذلك لتنكّر لي . قال : إنّا للّه ، أتراني يا أبا محمّد كنت أطمع الرشيد في هذه فكيف جعفرا أطلعه على أني أحتاج إلى أدب ؟ يغفر اللّه لك ، خذ في أمرك فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا ولو عدت في كلّ يوم مرّة . وكان لسعيد الجوهريّ غلام قد لزّ بالمأمون في الكتّاب فكان إذا احتاج المأمون إلى لوحه بادر إليه فأخذ اللوح من يده فمحاه وغلب على غلمان المأمون ومسحه وجاء به فوضعه على المنديل في حجره ، فلمّا سار المأمون إلى خراسان وكان من أخيه ما كان خرج إليه غلام سعيد فوقف بالباب حتى جاء أبو محمّد اليزيديّ فلمّا رآه عرفه فدخل فأخبر المأمون . فقال له
--> ( 1 ) مدينة بين همذان وأصبهان وهي إلى همذان أقرب .