ابراهيم بن محمد البيهقي

400

المحاسن والمساوئ

فتعلّق به أبوه وكان في ظلّ نخل له وقال : لا تدع أباك وأمّك شيخين ضعيفين ربّياك صغيرا حتى إذا احتاجا إليك تركتهما ! فقال : نعم أتركهما لما هو خير لي . فخرج غازيا بعد أن أرضى أباه ، فأبطأ وكان أبوه في ظلّ نخل له ، وإذا حمامة تدعو فرخها ، فرآها الشيخ فبكى ، فرأته العجوز يبكي فبكت ، وأنشأ يقول : لمن شيخان قد نشدا كلابا * كتاب اللّه إن ذكر الكتابا أناديه ويعرض لي حنين * فلا وأبي كلاب ما أصابا تركت أباك مرعشة يداه * وأمّك ما تسيغ لها شرابا فإنّ أباك حين تركت شيخ * يطارد أينقا « 1 » شزبا « 2 » جذابا إذا رتّعن إرقالا سراعا * أثرن بكلّ رابية ترابا طويلا شوقه يبكيك فردا * على حزن ولا يرجو الإيابا إذا غنّت حمامة بطن وجّ * على بيضاتها ذكرا كلابا فبلغت هذه الأبيات عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه ، فأرسل إلى كلاب فوافاه فقال : إنّه بلغني أنّ أباك وجد لفراقك وجدا شديدا فبما ذا كنت تبرّه ؟ قال : كنت أبرّه بكلّ شيء حتى أني كنت أحلب له ناقة فإذا حلبتها عرف حلبي . فأرسل عمر ، رحمه اللّه ، إلى الناقة فجيء بها من حيث لا يعلم الشيخ فقال له : احلبها . فقام إليها وغسل ضرعها ثمّ حلبها في إناء . فأرسل عمر ، رحمه اللّه ، بالإناء إلى أبيه فلما أتي به بكى ثمّ قال : إني أجد في هذا اللبن ريح كلاب . فقال له نسوة كنّ عنده : قد كبرت وخرفت وذهب عقلك ، كلاب يظهر الكوفة وأنت تزعم أنّك تجد ريحه ! فأنشأ يقول : أعاذل قد عذلت بغير علم * وهل تدري العوازل ما ألاقي سأستعدي على الفاروق ربّا * له حجّ الحجيج على اتّساق إن الفاروق لم يردد كلابا * إلى شيخين ما لهما تواقي فقال له عمر : اذهب إلى أبيك فقد وضعنا عنك الغزو وأجرينا لك العطاء . قال : وتغنّت الركبان بشعر أبيه . فبلغه فأنشأ يقول : لعمرك ما تركت أبا كلاب * كبير السّنّ مكتئبا مصابا وأمّا لا يزال لها حنين * تنادي بعد رقدتها كلابا لكسب المال أو طلب المعالي * ولكنّي رجوت به الثّوابا

--> ( 1 ) أينقا : أعنزا جمع عنزة . ( 2 ) شزبا : ضامرات البطون من الجوع .