ابراهيم بن محمد البيهقي

399

المحاسن والمساوئ

قال : وقال رجل لأبيه : يا أبتا إن عظيم حقّك لا يبطّل صغير حقّي ، ولا أقول إني وإيّاك بالسواء ، ولكن اللّه جلّ وعزّ لا يحبّ الاعتداء . محاسن برّ الأبناء بالآباء والأمهات عن طاوس عن أبيه قال : كان رجل له أربعة بنين فمرض فقال أحدهم : إمّا أن تمرّضوه وليس لكم من ميراثه شيء وإمّا أن أمرّضه وليس لي من ميراثه شيء . قالوا : بل تمرّضه وليس لك من ميراثه شيء . فمرّضه حتى مات ولم يأخذ من ميراثه شيئا . قال : فأتي في النوم فقيل له : ائت مكان كذا وكذا فخذ منه مائة دينار . فقال : أفيها بركة ؟ قالوا : لا . فلمّا أصبح ذكر ذلك لامرأته فقالت : خذها فإن من بركتها أن نكتسي منها ونعيش بها . فلمّا أمسى أتي في النوم فقيل له : ائت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير . فقال : أفيها بركة ؟ قالوا : لا فلمّا أصبح ذكر ذلك لامرأته فقالت له مثل ذلك ، فأبى أن يأخذها . فأتي في الليلة الثالثة فقيل له : ائت مكان كذا وكذا وخذ منه دينارا . فقال : أفيه بركة ؟ قالوا : نعم . قال : فذهب فأخذ الدينار ثمّ خرج به إلى السوق فإذا هو برجل يحمل حوتين . فقال : بكم هما ؟ قال : بدينار . فأخذهما منه وانطلق بهما إلى بيته ، فلمّا شقّهما وجد في بطن كلّ واحد منهما درّة لم ير الناس مثلها ، فبعث الملك يطلب درّة يشتريها فلم توجد إلّا عنده فباعها بثلاثين وقرا « 1 » ذهبا . فلمّا رآها الملك قال : ما تصلح هذه إلّا بأخت فاطلبوا أختها ولو أضعفتم الثمن . فجاءوه وقالوا : أعندك أختها ونعطيك ضعف ما أعطيناك ؟ قال : نعم . فأعطاهم الثانية بضعف ما باع به الأولى . قال : وذكر المأمون برّ الأبناء بالآباء فقال : لم أر أحدا أبرّ من الفضل بن يحيى ، فإنّه بلغ من برّه بأبيه أنّهما حيث حبسا كان الفضل يسخّن ليحيى الماء لوضوئه لأنّه كان يتوضأ بالماء السّخن ، فمنعهم السجّان ذات ليلة من إدخال الحطب والليل بارد فقام الفضل حين أخذ يحيى مضجعه إلى قمقم كان يسخن فيه الماء فملأه من الجبّ ثم جاء به إلى القنديل فأدناه منه فلم يزل قائما والقمقم في يده حتى أصبح وقد سخن الماء ، فأدناه من أبيه . قال : ولمّا وجه عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه ، الجيش إلى اليرموك قام إليه أميّة بن الأسكر الكناني فقال : يا أمير المؤمنين هذا اليوم من أيّامي لولا كبر سنّي . فقام إليه ابنه كلاب ، وكان عابدا زاهدا ، فقال : لكني يا أمير المؤمنين أبيع اللّه نفسي وأبيع دنياي بآخرتي .

--> ( 1 ) الوقر : الحمل .