ابراهيم بن محمد البيهقي

397

المحاسن والمساوئ

فقلت : ما هذا الذي فرغ منه ؟ قال : الحمّام أخلاه لي . قال فقلت : لقد كنت وقعت مني كلّ موقع حتى سمعت هذا . قال : فاسترجع وذعر وقال : وما ذاك يا عمّ ، يرحمك اللّه ؟ قلت : الحمّام لك ؟ قال : لا . قلت : فما دعاك إلى أن تطرد عنه غاشيته كأنّك تريد بذلك الكبر فتكسر على صاحب الحمّام غلّته ويرجع من أتاه خائبا ؟ قال : أمّا صاحب الحمّام فإني أرضيه وأعطيه غلّة يومه . قال قلت : هذه نفقة سرف خالطها الكبر ، وما يمنعك أن تدخل الحمّام مع الناس وإنّما أنت كأحدهم ؟ قال : يمنعني من ذاك أن أرى عورة مسلم ورعاع من الناس يدخلون بغير أزر فأكره رؤية عوراتهم وأكره أن أجبرهم على أزر فيضعون ذلك مني على حدّ هذا السلطان الذي خلّصنا اللّه منه كفافا ، فعظني رحمك اللّه عظة أنتفع بها واجعل لي مخرجا من هذا الأمر . فقلت له : ادخله ليلا فإذا رجع الناس إلى رحالهم خلا لك الحمّام . قال : لا جرم لا أدخله نهارا أبدا ولولا شدّة برد بلادنا هذه ما دخلته أبدا ، فأقسمت عليك لتطوينّ هذا الخبر عن أبي فإني أكره أن يظلّ عليّ ساخطا ولعلّ الأجل يحول دون الرضى منه . قال : فأردت أن أسبر عقله فقلت : إن سألني هل رأيت منه شيئا تأمرني أن أكذبه ؟ قال : لا معاذ اللّه ولكن قل رأيت شيئا ففطمته عنه وسارع إلى ما أردت من الرجوع ، فإنّه لا يسألك عن التفسير لأنّ اللّه جلّ وعزّ قد أعاذه من بحث ما ستر . قال ميمون : فلم أر والدا قطّ ولا ولدا قط ، رحمة اللّه وبركاته عليهم ، مثلهما . وذكروا أن ضرار بن عمرو الضبّيّ ولد له ثلاثة عشر ابنا كلّهم بلغ ورأس فاحتمل ذات يوم . فلمّا رأى بنيه رجالا معهم أهاليهم وأولادهم سرّه ما رأى من هيأتهم ثمّ ذكر نفسه وعلم أنّهم لم يبلغوا ذلك حتى أسنّ هو ورقّ وضعف فقال : من سرّه بنوه ساءته نفسه . فذهبت مثلا . قيل : ودخل الأمين على أبيه الرشيد وقد عرضت له وصيفة جميلة فلم يزل محمّد ينظر إليها وفطن له أبوه فقال : يا محمّد ما ترى في هذه الوصيفة ؟ قال : ما أرى بأسا . قال : فهل لك فيها ؟ قال : أمير المؤمنين أحقّ بها مني . قال : فقد آثرك على نفسه فخذها . فأخذها . فقال الرشيد : ولي ولد لم أعصه مذ ولدته * ولا شكّ في برّي به مذ ترعرعا تخيّرته للملك قبل فطامه * وأقطعته الدّنيا فطيما ومرضعا فلا الملك يخلو باعه من محمّد * ولا هو منه بل هما هكذا معا فنهض محمّد ومعه الجارية فأتبعه طرفه فلمّا غاب قال : وإنّما أولادنا بيننا * أكبادنا تمشي على الأرض وحكي عن بعض الأعراب أنّه كان يرقّص ولده ويقول :