ابراهيم بن محمد البيهقي
385
المحاسن والمساوئ
الشعر الأوّل والثاني لأبي سعد المخزومي . قال حمدون بن إسماعيل : بعث الأفشين إلى المعتصم من الحبس أن يا أمير المؤمنين مثلي ومثلك مثل رجل ربّي عجلا له حتى أسمنه وكبر وحسنت حاله وكان له أصحاب اشتهوا أن يأكلوا من لحمه فعرضوا له بذبح العجل فلم يجبهم إلى ذلك ، فاتّفقوا جميعا على أن قالوا له ذات يوم : ويحك لم تر هذا الأسد وقد كبر ؟ والسبع إذا كبر رجع إلى جنسه . فقال لهم : هذا عجل ! فقالوا : هذا سبع سل من شئت عنه ، وقد تقدّموا إلى جميع من يعرفه أنّه إن سألهم عنه قالوا هو سبع . فأمر بالعجل فذبح . ولكني أنا ذلك العجل كيف أقدر أن أكون أسدا ؟ اللّه اللّه في أمري فقد وجب حقّي وأنت سيّدي ومولاي ! فلم يلتفت المعتصم إلى رسالته ، وغلظ عليه الأمر حتى قيل إنّه قد مات ، فقال المعتصم : أروه ابنه . فأخرجوه مكبلا بالحديد فطرحوه بين يديه ، فلمّا رآه نتف لحيته ودعا بالويل والثبور ثمّ ردّوه إلى منزل إيتاخ ، وكان يطعم في كلّ يوم رغيفا حتى مت فأخرجوه وصلبوه على باب العامّة ثمّ أحرق ورمي به في دجلة . قيل : وكان العجيف بن عنبسة ممّن خرج مع العبّاس بن المأمون على المعتصم وسعى في الخلاف عليه ، قال : فحدّثنا أبو طالب قال : كنت مع محمّد بن الفضل الجرجرائيّ فالتفت إلى رجل عنده فقال : حدّث أبا طالب بما حدّثتني به . فأقبل عليّ الرجل يحدّثني . فسألت عنه فقيل : هو عمر بن عمرو القرقارة الكاتب . قال : كنت أتقلّد ضياع عجيف بناحية كسكر « 1 » فرفع عليّ أني خربت ضياعه فكتب في حملي ، فأدخلت عليه وهو في داره التي بسرّ من رأى وهو يطوف على الضياع وعلى رأسه برطلّة « 2 » خوص ، فلمّا نظر إليّ قال : أخربت ضياعي وأخذت أموالي واللّه لأقتلنّك ! ودعا بالسياط ، فبلت فرقا منه ، فكأني أنظر إلى البول يأخذ في سراويلي يمينا وشمالا ، وأومأت إلى الكاتب فالتفت الكاتب إلى عجيف فقال : أيّها الأمير أنت مشغول القلب بما يحتاج أن تأمر به وتشرف عليه وهذا في أيدينا فإن كان ما رفع عليه حقّا فالأمير من وراء ذلك وإن كان باطلا لم تأثم فيه . فقال : الحبس . فلبثت في الحبس أيّاما فوجّه إليّ كاتب عجيف فأتيته ، فقال لي : طاب لك المكان . ما معك ؟ فبررته بشيء فأطلقني . فقلت لغلامي : قد نالنا من الحبس والغرم ما نالنا ، وصديقي فلان بن فلان صاحب الديوان أحتاج أن ألقاه لعلّ اللّه عزّ وجلّ أن يسهّل عملا . فشخص فيه . فأتيت صديقي ذلك فقال لي : أنت في الحياة ! هاهنا عمل في ديار ربيعة أقلّدكه .
--> ( 1 ) كسكر : موضع في العراق . ( 2 ) البرطلة : المظلة الصيفية .