ابراهيم بن محمد البيهقي
386
المحاسن والمساوئ
فتقلّدته وخرجت أنا وغلامي فما زلت أسير حتى أتيت باعيناثا « 1 » ، فغمزني البول في السّحر وهي مقمرة فنزلت عن دابّتي وجلست وأنا أبول فقلت لغلامي : ويحك لكأني أبول في ثيابي فاطلب لي ماء . فقال : الناس نيام . فلم أزل واقفا حتى خرج بعض أوائل الأنباط فطلب الغلام منه ماء فجاء به فجعل هو والغلام يصبّان عليّ الماء وأنا أغسل ثيابي . فقال لي النبطيّ : وأين بلت ؟ قلت : هاهنا . قال : هذا نطع عجيف ! قلت : عجيف ! قال : نعم . قلت : ما يعمل عجيف هاهنا ؟ قال : أوما بلغك أن أمير المؤمنين بعث إليه بشربة فأقامته ثلاثمائة مجلس فمات فلفّ في نطع وها هو ذا ؟ فصبرت حتى أصبحت فنظرت إلى النطع فقلت : لا إله إلّا اللّه ! بينا أنا بالأمس بين يديه أبول من فرقه حتى جئت قبلت عليه . قيل : وسخط المعتصم على الفضل بن مروان فأمر بحبسه وتقييده واستئدائه ألف ألف دينار وستّمائة ألف دينار ورفعت فيه القصص ، فأقبل أحمد بن عمّار يقرأها فوقعت في يده قصّة في نصف طومار فإذا فيها شعر ، فتوقّف عن قراءتها . فقال : ما توقّفك ؟ قال : إنّه شعر . قال : هاته . فإذا فيها : لا تعجبنّ فما بالدّهر من عجب * ولا من اللّه من حصن ولا هرب يا فضل لا تجزعن ممّا ابتليت به * من خاصم الدّهر أجثاه على الرّكب كم من كريم نشا في بيت مكرمة * أتاك مختنقا بالهمّ والكرب أوليته منك إذلالا ومنقصة * فخاب منك ومن ذي العرش لم يخب وكم وثبت على قوم ذوي شرف * فما تلعثمت عن زور وعن كذب خنت الإمام وهذا الخلق قاطبة * وجرت حتى اتى المقدور في الكتب جمعت شتّى وقد أدّيتها جملا * لأنت أخسر من حمّالة الحطب فقال المعتصم : ليدع صاحب القصة . فدعي فلم يجب . فقال : واللّه لو جاءني لدفعت إليه الفضل لينفذ فيه أمره . وقال بعضهم : رأيت على حائط دار الفضل بن مروان مكتوبا : تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر * فمثلك كان الفضل والفضل والفضل ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم * أبادهم التّنكيل والحبس والقتل وإنّك قد أصبحت في الناس لعنة * ستؤدي كما أودى الثّلاثة من قبل قيل : وكان الواثق غضب على جعفر المتوكّل أخيه لبعض أموره فأراد أن يقوّمه فوكّل به
--> ( 1 ) باعيناثا : قرية كبيرة كالمدينة فوق جزيرة ابن عمر لها نهر كبير يصب في دجلة .