ابراهيم بن محمد البيهقي
378
المحاسن والمساوئ
رطب أكله قد مسّته النار وهو يصيح : يا غلام . وكلّهم يسمع صوته فما منهم أحد يجيبه . فخرجت إليهم وأنا أفور غضبا فإذا بعضهم يلعب بالشطرنج وبعضهم بالكعاب وبعضهم يهارش الدّيوك . فقلت : يا بني الفواعل أما تسمعون أمير المؤمنين يدعوكم ؟ فقال واحد : حتى أقيس هذا الكعب . وقال الآخر : قد بقيت على ضربه . وقال آخر : امض فإني أتبعك . فما علمت ما أخاطبهم به من الحنق عليهم ، فإذا المأمون قد صوّت بي وأنا أقذف أمّهاتهم . فأتيته وهو يضحك . فقال : ارفق بهم فإنّهم بشر مثلك . فقلت : تقول هذا وأنت معلّق اليد ؟ فقال : وهذا معاشرتك خدمك ؟ فقلت : واللّه لو فعل بي هذا ولدي من دون خدمي لقتلته ! قال : هذه أخلاق السوقة وأخلاقنا أخلاق الملوك . فقلت : لا واللّه ما هذه أخلاق الملوك ولا أخلاق الأنبياء عليهم السلام . وقال ثمامة بن أشرس : واللّه إني لفي مجلس المأمون وعنده عمرو بن مسعدة وأبو عباد والعبّاسيّ ومحمّد بن أبي محمّد اليزيديّ إذ دخل عليّ بن صالح فقال : محمّد بن الفضل بن سليمان الطوسيّ بالباب . قال : يدخل . فدخل وسلّم وفي يده كتاب فأشار به إلى المأمون . فقال المأمون : اذكر ما فيه . فقال : يا أمير المؤمنين جعلني اللّه فداك سرّ من أسرار الخليفة لا يحتمل إذاعته ! قال : وإن كان ذلك فاذكر . قال : يا أمير المؤمنين لست فاعلا ! قال : يا هذا ما بحضرتنا من نكتمه أسرارنا فأبد ما عندك . فأعاد محمّد بن الفضل مثّل قوله الأوّل والثاني . فقال المأمون : إني لأعلم ما في كتابك ! قال : هذه كهانة ! قال : فنزل المأمون عن فرشه ورفع سترا كان في ظهر مجلسه ودخل وأشار إلينا وقال : لا تبرحوا . فجاء عليّ بن صالح فأخذ بيد الطوسيّ وقال : قمّ فأنت أشأم من البسوس « 1 » . فأقعده خلف حائط بقرب المجلس لكي إن خرج لا يراه وإن دعاه أحضره . قال : فجعل كلّ واحد منّا يرجف بجنس من المكروه وكلّنا خائفون عليه ، فواحد يقول : يأخذ الساعة أمواله وينفيه . وآخر يقول : يضرب عنقه . قال : فأبطأ علينا المأمون ثمّ خرج ووجهه مسفر ضاحكة سنّه ، فقال : سمعتم ما كلّمني به هذا الخائن ، إنّه واللّه لمّا بلغ مني كلامه لم أجد بدّا ولا دواء إلّا ملاعبة الجواري والنساء ليزول عني ما قد تداخلني ، وقد أسمعني ما أكره بضع عشرة مرّة واحتملته .
--> ( 1 ) البسوس : بسوس بنت منقذ التميمية شاعرة جاهلية يضرب المثل بشؤمها كانت لها ناقة رآها كليب بن وائل فقتلها فحزنت البسوس وقالت شعرا أثار جساس بن مرة فقتل كليب فهاجت الحرب وبقيت أربعين سنة .