ابراهيم بن محمد البيهقي

379

المحاسن والمساوئ

مساوئ من سخط عليه وحبس في الحديث المرفوع قال : شكا يوسف ، عليه السلام ، إلى ربه جلّ وعزّ طول الحبس وأوحى اللّه تبارك وتعالى إليه : « أنت حبست نفسك حيث قلت رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه . ولو قلت العافية أحبّ إليّ عوفيت . قال : وكتب يوسف على باب السجن : هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء . ودعا لأهل الحبس بدعوتين هما معروفتان فيهم إلى اليوم : اللهمّ اعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار . فكلّ الناس يرحمونهم والأخبار من كلّ جهة عندهم . قال : ولمّا خرج جعفر الأحمري من الحبس وأدخل على المهديّ في الحديد قال له : يا فاسق أزلّك الشيطان وأغواك ، وفي غمرة الجهل أرداك ، وعن الهدى بعد البصيرة أعماك ، حتى تركت الطريقة ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة ، كيف رأيت اللّه كشف أمرك وأعلن فسقك وأظهر ما كنت تخفي من سقم سريرتك وخبث نيّتك فأوردك حوض منيتك وذلك بما قدّمت يداك وما اللّه بظلّام للعبيد ! . قال جعفر : لا والذي لم يزل بعباده خبيرا ، وبعث محمّدا ، عليه وعلى آله السلام ، بالحقّ بشيرا ، طهّر أهله من دنس الرّيب تطهيرا ، ووقّفني بين يديك أسيرا ، وجعلك علينا سلطانا أميرا ، ما خنت الإسلام نقيرا ، ولا أضللت الهدى منذ كنت بصيرا ، فلا تقدم عليّ بالشّبهة تقديرا ، بسعي ساع سوف يجزى بسعيه سعيرا . فقال المهدي : ما يغني عنك وسواسك ، فما تهذي من أم رأسك ، قد تناهت إليّ أخبارك ، وأدّاها من كان يقفو آثارك ، ويعرف أسرارك ، ومن بايعك من أعوانك الذين وازروك على ضلالك ، فأقلل ، لا أمّ لك ، تشجعك ، فقد حلّ قضاءك ، وحان حصادك . فقال جعفر : إن تقتلني تقتل مني علما فلا تجعل لي على ظهرك وزرا فأصير لك يوم القيامة خصما ، وأنت تعلم أنّك لا تجيء بقتلي عدلا ولا تنال به فضلا ، فاتق الذي خلقك وأمر عباده ملّكك وبالعدل فيهم أمرك ، ولا تحكم عليّ بحكم عن الهدى مائل ، فإنّك للدنيا مفارق وعنها راحل ، وكلّ ما أنت فيه فمضمحلّ زائل . قال له المهدي : تطالبني وأنت المطلوب ، وبباطلك تغلب حقّي وأنت المغلوب ، الآن ظهر فسادك ، وبلغ غرسك ، ودبّت عقاربك ، اللّهمّ إلّا أن تقرّ بذنبك وتعترف بجرمك وتتوب إلى ربّك وتحقن بالإنابة دمك ، فإن فعلت ذلك أمهلنا أمرك وأطلنا حبسك وإلّا فاحتسب