ابراهيم بن محمد البيهقي
362
المحاسن والمساوئ
في دون ما قلت عيل الصّبر والجلد * وقد تقطّع منّي القلب والكبد هذا أوان صلاة الظّهر فانصرفي * وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا * ننصفك فيه وإلّا المجلس الأحد قال : فانصرفت فلمّا كان يوم الأحد جلس فكان أوّل من دعا به المرأة ، فسلّمت فردّ المأمون عليها السلام وقال : أين الخصم ، رحمك اللّه ؟ قالت : هو واقف على رأسك وقد حيل بيني وبينه . وأومأت إلى العبّاس ابنه . فقال : يا أحمد بن أبي خالد خذ بيده فأقعده معها . قال : ففعل ذلك . فجعلت تعلو على العبّاس بصوتها وتقول : ظلمتني واعتديت عليّ وأخذت ضيعتي . فقال لها أحمد : ما هذا الصياح ؟ إنّك بين يدي أمير المؤمنين تناظرين الأمير ! فقال المأمون : دعها يا أحمد فإن الحقّ أنطقها والباطل أخرسه . فلم يزالا يتناظران حتى حكم المأمون لها بردّ ضيعتها ثمّ قال : يا أحمد أردد عليها ما جباه العبّاس من ضيعتها وادفع إليها عشرة آلاف درهم ترمّ بها ما أراه من سوء حالها واكتب إلى والينا وقاضينا بإرفاقها والنظر في أمرها وأوغر لها خراج ضيعتها بالشيء الطفيف وليكن ذلك في يومنا هذا . فما برحت حتى قضيت حوائجها وخرجت . وعن الحسن بن سهل قال : جلس المأمون ذات يوم للمظالم وإذا هو برجل قد مثل بين يديه وفي يده رقعة فيها سطران : بسم اللّه الرحمن الرحيم . مظلمة من أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه . فقال : أمظلمة مني ! قال : أفأخاطب بالخلافة سواك ؟ قال له : وما ظلامتك هذه ؟ قال : ثلاثون ألف دينار . قال : وما وجهها ؟ قال : إنّ سعيدا وكيلك اشترى مني جوهرا بثلاثين ألف دينار وحمله إلى منزلك ولم يوفّر عليّ المال . قال : فإذا اشترى سعيد منك الجوهر تشكو الظلامة مني ! قال : نعم إذا كانت الوكالة قد صحّت له منك . قال : إنّ كلامك هذا يحتمل ثلاث جهات : أمّا أوّل ذلك فلعلّ سعيدا قد اشترى هذا الجوهر منك كما زعمت وحمله إلينا وأخذ المال من بيت المال ولم يوفّره عليك ، أو لعلّه قد وفّره وادّعيت باطلا ، أو اشتراه لنفسه . أمّا في العاجل فلا يلزمني لك حقّ ولا أعرف لك ظلامة . فقال الرجل : إنّ اللّه جلّ وعزّ قد أهّلك لموضع رفيع واختصك بنسب جعلك أولى الخلق معه بالإنصاف والانتصاف فإنّك مناسب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واسترعاك على خلقه فهلّا تحملني على كتاب اللّه جلّ وعزّ وسنّة ابن عمّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسنّة عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه ، في رسالته إلى أبي موسى الأشعري وهي التي اتّخذتموها صدور أحكامكم ووصيّة لقضاتكم إذ يقول : البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر . قال المأمون : فإنّك واللّه قد عدمت البيّنة فما يجب لك إلّا حلفة ولئن حلفتها لأنا صادق