ابراهيم بن محمد البيهقي
363
المحاسن والمساوئ
إذ كنت لا أعرف لك حقّا يلزمني . قال : فإذا أدعوك إلى الحاكم الذي نصبته لرعيّتك . قال : نعم ، يا غلام عليّ بيحيى بن أكثم . فإذا هو قد مثل بين يديه . فقال : يا يحيى ! قال : لبّيك يا أمير المؤمنين ! قال : اقض بيننا . قال : في حكم وقضية ! قال : نعم . قال : لا أفعل . قال : ولم ؟ قال : لأنّ أمير المؤمنين لم يجعل داره مجلس قضائي . قال : قد فعلت . قال : فإني أبدأ بالعامّة أوّلا ليصبح المجلس للقضاء . قال : افعل . ففتح الباب وقعد في ناحية من الدار وأذن للعامّة ونادى المنادي وأخذ الرقاع ودعا بالناس ثمّ دعا الرجل المتظلّم فقال له يحيى : ما تقول ؟ قال : أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين المأمون . فنادى المنادي فإذا المأمون قد خرج في رداء وقميص وسراويل قد أرسلها على عقبيها في نعل رقيق ومعه غلام يحمل مصلّى حتى وقف على يحيى وهو جالس . فقال له : اجلس . فطرح المصلّى ليقعد عليه . فقال له يحيى : يا أمير المؤمنين لا تأخذ على خصمك شرف المجلس . فطرح له مصلّى آخر فجلس عليه . وقال له يحيى : ما تقول ؟ فقال : لي على هذا ثلاثون ألف دينار . قال : ومن هذا ؟ قال : أمير المؤمنين المأمون باللّه . قال له يحيى : يا أمير المؤمنين قد سمعت ما يقول ؟ قال : سله ما وجهها . فأعاد خبر الوكيل . فقال المأمون : ما أعرف له حقّا . فأقبل على الرجل فقال : قد سمعت ، ألك بيّنة ؟ قال : لا . قال : فما تريد ؟ قال : ما يوجبه الحكم لمن عدم البيّنة . قال المأمون : ويحك قد لججت في اليمين ! قال : يا أمير المؤمنين أتحلف ؟ قال : إي واللّه ولا أوطأ نفسي العشوة في إعطاء رجل ما لا يجب له طلما . فقال : قلّ واللّه . فاستحلفه غموسا . ثمّ وثب يحيى عند فراغ المأمون من يمينه فقام على رجليه . فقال له المأمون : ما أقامك ؟ فقال : إني كنت في حقّ اللّه جلّ وعزّ حتى أخذته منك وليس الآن من حقّك أن أتصدّر عليك . وقبض على الرجل لئلّا يخرج . فقال المأمون : ارفقوا به . ثمّ قال : يا غلام أحضرني ما ادّعى من المال . فلمّا أحضر قال : خذه إليك واللّه ما كنت أحلف على فجرة ثمّ أسمح لك فأفسد ديني ودنياي ، واللّه يعلم ما دفعت إليك هذا المال إلّا خوفا من هذه الرعيّة لعلّها ترى أن تناولتك من وجه القدرة وأني منعت وأجبك بالاستطالة عليك وأنها لتعلم الآن ما كنت أسمح لك باليمين والمال . فقال : يا أمير المؤمنين أفأحاط في المال حتى أصل إلى حيث آمن عليه ؟ قال : إي واللّه ولو بالتّغزغز وأسبيجاب . فأخرج الرجل مع المال وبذرق به إلى أن بلغ مأمنه .