ابراهيم بن محمد البيهقي
343
المحاسن والمساوئ
ففعل عبد الملك ذلك وردّ رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ويقول : إنّ اللّه جلّ وعزّ مانعك ممّا قدرت أن تفعله . وقد تقدّمت إلى عمّالي في أقطار الأرض بكذا وكذا وبإبطال السكك والطراز الروميّة . فقيل لملك الروم : افعل ما كنت تهددت به ملك العرب . فقال : إنّما أردت أن أغيظه بما كتبت به إليه لأني كنت قادرا عليه والمال وغيره برسوم الروم ، فأمّا الآن فلا أفعل لأنّ ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام . وامتنع من الذي قال وثبت ما أشار به محمّد بن علي بن الحسين إلى اليوم . قال : ثمّ رمى بالدرهم إلى بعض الخدم وقال : عليّ بالخازن . فأقبل الخازن . فقال : ائتني بالجبل . فأتاه بحقّ فيه خاتم ياقوت يتّقد كأنّه مصباح ، فقال للخادم : ضع لنا هذا على هذا الدرهم الذي معك وليكن على مقدار إصبعي . ثمّ قال : أتعرف هذا الخاتم ؟ فقلت : لا يا سيّدي . قال : إنّ ملك الترك كان غزا في زمن أبي مسلم سمرقند وعليها عامل له يقال له صبيح بن إسماعيل ومع ملك الترك قائد لملك الصين كان جليلا عنده عظيم القدر بمنزلة وليّ العهد أمدّه به لصهر كان بينهما في سبعين ألف رجل ، وإن صبيح بن إسماعيل ظفر بعسكر التركيّ وهزمه وغنم عامّة ما فيه وأسر رجاله كافة وأسر القائد الصيني فيمن أسر فكان هذا الخاتم في إصبعه فأخذه منه وبعث به إلى أبي مسلم فبعث به أبو مسلم إلى أبي العبّاس فأعجب به إعجابا شديدا ودعا له من يبصره من الجوهريّين والمقوّمين وسألهم عن قيمته فلم يحسنوا أن يقوّموه ، فلم يزل مرفوعا في خزانته إلى أن مات . فلمّا أخرج ما كان في خزانته من الجواهر والذخائر لتباع هذا الخاتم فنودي عليه وطلبه المنصور وعيسى بن موسى وتزايدا عليه فبلغ به المنصور أربعين ألف دينار وحرص على شرائه واشتدّت عليه مزايدة عيسى إيّاه فيه . فلمّا رأى عيسى أن ذلك قد غاظه أمسك عن مزايدته فاشتراه المنصور بأربعين ألف دينار ، فما ظنّك بشيء يشتريه المنصور بهذه الجملة في ذلك الزمان وكان الدرهم أعزّ من الدينار في زماننا ؟ فلم يزل في خزانته إلى أن ولي المهدي فأخرجه ووهبه لي من دون أخي الهادي ، وذلك أنّه جعل ولاية العهد له فأرضاني عن ولاية العهد بهذا الخاتم وبأشياء أخر . فلمّا ولي الهادي طلب مني الخاتم فمنعته ولجّ فيه لجاجا شديدا وبعث إليّ سعيد بن سلم الباهليّ يدعوني فأخذت هذا الخاتم وأخرجته من إصبعي ، فلمّا توسّطت الجسر قلت