ابراهيم بن محمد البيهقي

342

المحاسن والمساوئ

فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه وضاقت به الأرض وقال : احسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، من شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب . إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم . وجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأيا يعمل به . فقال له روح بن زنباع : إنّك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنّك تتعمّد تركه . فقال : ويحك من ؟ قال : الباقر من أهل بيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ! قال : صدقت ولكنّه أرتج عليّ الرأي فيه . فكتب إلى عامله بالمدينة : أن أشخص إليّ محمّد بن عليّ بن الحسين مكرما ومتّعه بمائتي ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته وأزح علّته في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه واحتبس الرسول قبله إلى موافاته عليّ . فلمّا وافى أخبره الخبر فقال له عليّ : لا يعظمنّ هذا عليك ، فإنه ليس بشيء من جهتين : إحداهما أنّ اللّه جلّ وعزّ لم يكن ليطلق ما يهددك به صاحب الروم في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والأخرى وجود الحيلة فيه . قال : وما هي ؟ قال : تدعو في هذه الساعة بصنّاع يضربون بين يديك سككا للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني ، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسّنة التي يضرب فيها تلك الدراهم والدنانير ، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا من الثلاثة الأصناف التي العشرة منها عشرة مثاقيل وعشرة منها وزن مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون أوزانها جميعا واحدا وعشرين مثقالا فتجزئها من الثلاثين فتصير العدّة من الجميع وزن سبعة مثاقيل ، وتصبّ سنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان فتضرب الدراهم على وزن عشرة والدنانير على وزن سبعة مثاقيل . وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنّما هي الكسرويّة التي يقال لها اليوم البغليّة لأن رأس البغل ضربها لعمر بن الخطّاب ، رحمه اللّه ، بسكّة كسرويّة في الإسلام مكتوب عليها صورة الملك وتحت الكرسيّ مكتوب بالفارسيّة : نوش خر ، أي كل هنيئا . وكان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالا . والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستّة مثاقيل والعشرة وزن خمسة مثاقيل هي السّميريّة الخفاف والثّقال ، ونقشها نقش فارس . ففعل عبد الملك ذلك . وأمره محمّد بن عليّ بن الحسين أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام وأن يتقدّم إلى الناس في التعامل بها وأن يتهدّدوا بقتل من يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير وغيرها وأن تبطل وتردّ إلى مواضع العمل حتى تعاد على السكك الإسلاميّة .