ابراهيم بن محمد البيهقي
339
المحاسن والمساوئ
وأخرجك عن عطاء أبناء المهاجرين وحماة أهل صفّين . وأمر له بمائة ألف درهم وزاد في عطائه ألف درهم وجعله بين ثوبه وجلده . يحكى عن أبي بكر الهذلي أنّه كان يساير أبا العبّاس السفّاح إذ تحدّث أبو العبّاس بحديث من أحاديث الفرس فعضفت الريح فرمت طستا من سطح إلى طريق أبي العبّاس فارتاع من معه ولم يتحرّك أبو بكر لذلك ولم تزل عينه مطابقة لعين أبي العبّاس . فقال له : ما أعجب شأنك يا هذا ! لم ترع ممّا راعنا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إنّ اللّه جلّ وعزّ يقول : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [ الأحزاب : 4 ] . وإنّما للمرء قلب واحد ، فلمّا غمر السرور قلبي بفائدة أمير المؤمنين لم يكن لحادث فيه مجال ، وإنّ اللّه جلّ وعزّ إذا تفرّد بكرامة أحد وأحبّ أن يبقي له ذكرها جعل ذلك على لسان نبيّه أو خليفته ، وهذه كرامة خصصت بها مال إليها ذهبي وشغل بها فكري ، فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما أحسست بها . فقال أبو العبّاس : لئن بقيت لك لأرفعنّ منك ما لا تطيف به السباع ولا تنحط عليه العقبان . وحكي عن قباذ أنّه ركب ذات يوم والموبذ يسايره إذ راث دابّة الموبذ وفطن قباذ لذلك فغمّ ذلك الموبذ ، فقال له قباذ في أوّل كلام مرّ : ما أوّل ما يستدلّ به على سخف الرجل ؟ قال : أن يعلف دابّته في الليلة التي يركب الملك في صبيحتها . فضحك قباذ وقال له : للّه أنت ما أحسن ما ضمّنت كلامك بفعل دابّتك ! وبحقّ ما قدّمتك الملوك وجعلت أحكامهم في يدك ! ووقف ودعا له بدابّة من خاصّ مراكبه وقال : تحوّل من هذا الجاني عليك إلى ظهر هذا الطائع لك . وحكي عن معاوية بن أبي سفيان أنّه بينا هو يسير وشرحبيل بن السمط يسايره إذ راث دابّة شرحبيل وساءه ذلك . فقال معاوية : يا أبا يزيد إنّه كان يقال إن الهامة إذا عظمت دلّت على وفور الدماغ وصحّة العقل . قال : نعم يا أمير المؤمنين إلّا هامتي فإنّها عظيمة وعقلي ضعيف ناقص ، فتبسّم معاوية وقال : كيف ذاك للّه أنت ؟ قال : لإعلافي دابّتي مكّوكين من شعير . فتبسّم معاوية وحمله على دابّة من مراكبه . ويقال : إنّ سعيد بن سلم بينا هو يساير موسى الهادي وعبد اللّه بن مالك أمامه والحربة بيده فكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره دابة عبد اللّه في وجه موسى وعبد اللّه في خلال ذلك يلحظ موضع مسير موسى فيطلب أن يحاذيه فإذا حاذاه ناله من ذلك التراب ما يؤذيه حتى إذا كثر ذلك من عبد اللّه قال موسى لسعيد : أما ترى ما لقينا من هذا الخائن في مسيرنا هذا ؟ فقال له سعيد : واللّه يا أمير المؤمنين ما قصر في الاجتهاد ولكنه حرم حظّ التوفيق .