ابراهيم بن محمد البيهقي
338
المحاسن والمساوئ
محاسن المسايرة قال : فيما يحكى عن أنوشروان أنّه بينا هو في مسيرة له كان لا يسايره أحد من الخلق مبتدئا وأهل المراتب على مراتبهم ، فإن التفت يمينا دنا منه صاحب الحرس وإن التفت شمالا دنا منه الموبذ فأمره بإحضار من أراد مسايرته . فالتفت في مسيره هذا يمينه فدنا منه صاحب الحرس فقال : فلان . فأحضره . فقال : عرفت حديث أردشير حين واقع ملك الخزر ؟ وكان الرجل قد سمع من أنوشروان هذا الحديث مرّة فاستعجم عليه وأوهمه أنّه لا يعرفه ، فحدّثه أنوشروان بالحديث وأصغى إليه الجل بجوارحه كلّها ، وكان مسيرهما على شاطئ نهر ، وترك الرجل النظر إلى موطئ قوائم دابّته لإقباله على حديث أنوشروان ، فزلّت إحدى رجلي دابّته فمالت بالرجل إلى النهر فوقع في الماء ونفرت دابّته فابتدرها حاشية الملك وغلمانه حتى أزالوها عن الرجل وجذبوه من تحتها وحملوه على أيديهم ، فاغتمّ لذلك أنوشروان ونزل عن دابّته وبسط له هناك وأقام حتى تغدّى موضعه ذلك ودعا للرجل بثياب من خاصّ كسوته وألقيت عليه وأكل معه . وقال : كيف أغفلت النظر إلى موطئ حافر دابّتك ؟ قال : أيّها الملك إن اللّه جلّ وعزّ إذا أنعم على عبد بنعمة بمحنة ، وإنّه جلّ ذكره أنعم عليّ نعمتين عظيمتين منهما إقبال الملك عليّ بوجهه من بين هذا السواد الأعظم ، والأخرى هذه الفائدة وإقبال هذا الجيش الذي حدّث فيه عن أردشير ، حتى لو رحلت من حيث تطلع الشمس إلى حيث تغرب فيه كنت رابحا ، فلمّا اجتمعت عليّ هاتان النعمتان الجليلتان في وقت واحد قابلتهما هذه المحنة ، ولولا أساورة الملك وخدمه كنت بعرض هلكة ، ولو غرقت حتى أذهب عن جديد الأرض كان الملك قد أبقى لي ذكرا مخلّدا باقيا ما بقي الضياء والظلام . فسرّ بذلك أنوشروان وقال : ما ظننتك بهذه المنزلة ! فحشا فمه جوهرا ودرّا ثمينا واستبطنه حتى غلب على أكثر أمره . وحكي عن يزيد بن شجرة الرّهاويّ أنّه بينا هو يسير مع معاوية ومعاوية يحدّثه عن خزاعة ويومها وبني مخزوم وقريش ، وكلّ هذا قبل الهجرة وكان يوم إشراف الفريقين على الهلكة حتى جاءهم أبو سفيان فارتفع ببعيره على رايته ثمّ أومأ بكمّه إلى الفريقين فانصرفوا ، فبينا معاوية يحدّث يزيد بن شجرة بهذا الحديث إذ صكّ وجه يزيد حجر عائر فأدماه وجعلت الدماء تسيل من وجهه على ثوبه ما يمسحه . فقال له معاوية : للّه أنت ! أما ترى ما نزل بك ؟ قال : وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : هذا دم وجهك يسيل على ثوبك ! فقال : أعتق ما أملك إن لم يكن حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري وغطّى على قلبي فما شعرت بشيء حتى نبّهني له أمير المؤمنين . فقال له معاوية : لقد ظلمك من جعلك في ألف من العطاء