ابراهيم بن محمد البيهقي

328

المحاسن والمساوئ

عدوّنا حالين يسرّنا منهم أكثر ممّا يسوؤنا ويسوؤهم منّا أكثر ممّا يسرّهم ، فلم يزل اللّه جلّ وعزّ يزيدنا وينقصهم ويعزّنا ويخذلهم حتى بلغ الكتاب أجله وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للّه ربّ العالمين . أخبرنا ابن أبي السرح أن الحجّاج أغزى جيشا فظفروا وأنّ صاحب جيشه كتب إليه : الحمد للّه الذي جعل لأوليائه أمام نصره موعدا قوّى به قلوبهم وقدّم إلى أعدائه بين يدي خذلانه إيّاهم وعيدا أرعب به مفاصلهم وزعزع معه قلوبهم . فلمّا بلغ هذا الموضع طوى ما كان نشره من الكتاب ولم يقرأ ما بعده ثمّ التفت إلى الرسول فقال : غيّرنا هذا الكلام المبتدأ به ، إنّ العدوّ ولّى من غير حرب ! فقال : صدق الأمير صدّق اللّه ظنّه وأصاب أصاب اللّه رأيه . قال : وكتب مروان بن محمّد إلى عبد اللّه بن عليّ يوصيه بحرمة ، فكتب إليه عبد اللّه : يا مائق « 1 » إنّ الحقّ لنا في دمك والحقّ علينا في حرمك . وكتب عليّ ، رضوان اللّه عليه ، إلى زياد ابن أبيه : لئن بلغتني عنك خيانة لأشدّنّ عليك شدّة أدعك فيها قليل الوفر ثقيل الظهر . قال : وكتب رجل إلى أبي مسلم حين خرج : أحسن اللّه لك الصحبة وعصمك بالتقوى وألهمك التوفيق ، إنّ الأرض للّه يورثها من عباده من يشاء والعاقبة للمتّقين ، فسر فيها راغبا إلى اللّه ورسوله والرضى من هذه الأمّة بالكتاب والسنّة . واعلم أن التقوى أسّ ما تبني عليه أمرك ، فإن ضعف الأساس تداعى البنيان ودخل الأعداء من كلّ مكان ، فتألّف الأعلام من الرجال وسرواتهم وتصفّح عقولهم ومروءاتهم ، فكلّما ارتضيت رجلا ففرّه عن عزائم رأيه واصرف نظرك إلى تصرّف حاله ، فإن وجدته على خلاف ما أنت عليه فلا تعجل بإلقاء أمرك إليه فتدخله الوحشة منك والنفور عنك ، لكن اقرعه بالحجّة في رفق وسقه إلى شرك المحجّة في لين حتى يتكشّف لك ثوب الظلمة عن النور وتظهر لك وجوه الأمور ، فإنّه سيكثر أعوانك على الحقّ ويسهل لك منهاج الطرق . فإذا كثرت العدّة من أصحابك وأمكنتك الشدّة على أعدائك فحارب الفئة الباغية والأئمة الطاغية الذين أباحوا حمى المسلمين وأجروا عليهم أحكام الفاسقين وقادوهم بجرائر المهن واستذلّوهم في البرّ والبحر . واعلم أنّ من عرف اللّه جلّ وعزّ لم ير لأهل البغي جماعة ولا لأئمّة الضلالة طاعة . وكلّما غلبت على بلدة فامسك عن القتل وأظهر في أهله العدل لتسكن إليك النفوس ويثوب

--> ( 1 ) أي يا حاقد .