ابراهيم بن محمد البيهقي

320

المحاسن والمساوئ

إيّاه ، فانبعث الفضل فقال : يا أمير المؤمنين إنّ من أبين الدلالة على فراهة المملوك شدّة إفراط هيبته لسيده . فقال له الرشيد : أحسنت واللّه ! لئن كان سكوتك لتقول هذا إنّه لحسن وإن كان هذا شيء أدركك عند انقطاعك إنّه لأحسن وأحسن . ثمّ جعل لا يسأله عن شيء إلّا رآه مقدّما فيه مبرّزا . فضمّه إلى المأمون في ذلك اليوم . وقال الفضل بن سهل للمأمون وقد سأله حاجة لبعض أهل بيوتات دهاقين سمرقند ووعده تعجيل إنفاذها فتأخّر ذلك عليه : يا أمير المؤمنين هب لوعدك تذكّرا من نفسك وهنّئ سائلك حلاوة نعمتك واجعل ميلك إلى ذلك في الكرم حاثّا على اصطفاء شكر الطالبين لتشهد القلوب بحقائق الكرم والألسن بنهاية الجود . فقال : قد جعلت إليك إجابة سؤّالي عني بما ترى فيهم وأخذتك بالتقصير فيما يلزم لهم من غير استثمار ولا معاودة في إخراج الصكاك من أحضر المال متناولا . قال : إذا لأتحدّى معرفتي بما يجب لأمير المؤمنين الهنأ بما يديم له حسن الثناء ، ومن دعائهم طول البقاء . قال : وقال الفضل بن سهل للمأمون : يا أمير المؤمنين اجعل نعمتك صائنة لماء وجوه خدمك عن إراقته في غضاضة السؤال . فقال المأمون : واللّه لا كان ذلك إلّا كذلك . قال : ودخل العتّابي على المأمون فقال : يا أبا كلثوم خبّرت بوفاتك فغمّتني ثمّ جاءتني وفادتك فسرّتني . فقال : يا أمير المؤمنين كيف أمدحك أو بما ذا أصفك ولا دين إلّا بك ولا دنيا إلّا معك ! فقال : سلني عمّا بدا لك . قال : يداك بالعطيّة أطلق من لساني بالمسألة . قال : وتكلّم المأمون يوما فأحسن فقال يحيى بن أكثم : يا أمير المؤمنين جعلني اللّه فداك ! إن خضنا في الطبّ فأنت جالينوس في معرفته ، أو في النجم فأنت هرمس في حسابه ، أو في الفقه فأنت عليّ بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه ، في علمه ، وإن ذكر السخاء كنت حاتما في جوده ، أو الصدق فأنت أبو ذرّ في صدق لهجته ، أو الكرم فأنت كعب بن مامة في إيثاره على نفسه ، أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه . فاستحسن قوله وتهلّل وجهه . قال : وقال إبراهيم بن المهديّ للمأمون : يا أمير المؤمنين ليس للعافي بعد القدرة عليه ذنب ، وليس للمعاقب بعد الملك عذر . قال : صدقت فما حاجتك ؟ قال : فلان . قال : هو لك . قال : وقال الواثق يوما لأحمد بن أبي دؤاد وقد تضجّر بكثرة حوائجه : قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للّائذين بك والمتوصّلين إليك ! فقال : يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متّصل بك وذخائر أجرها مكتوب لك وما لي من ذلك إلّا عشق الألسن لخلود المدح فيك . فقال : يا أبا عبد اللّه واللّه لا منعتك ما يزيد في عشقك وتقوى به منّتك إذ كانا لنا دونك . وأمر فأخرج له