ابراهيم بن محمد البيهقي

319

المحاسن والمساوئ

أن تستجلب النصر إلّ من حيث عوّدك اللّه ، فإن عاقبت فلك نظير وإن عفوت فليس لك نظير ، وإنّ جرمي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أنطلق فيه بعذر وعفو أمير المؤمنين أجلّ من أن يفي به شكر . فقال المأمون : مات الحقد عند هذا العذر . فاستعبر إبراهيم وبكى ، فقال له المأمون : ما لك ؟ قال : الندم إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام عليّ . وحدّثني سعيد بن مسلم قال : قال المأمون لإبراهيم بن المهديّ بعد المؤانسة وإخراج ما كان في قلبه عليه : يا عمّ ما الذي حملك على منازعة من جرى قدر اللّه عزّ وجلّ له بتمام أمره وإصلاح شأنه ؟ قال : طلب صلاح حالي يا أمير المؤمنين وتوفّر ما تتّسع به يدي على خاصّتي وعامّتي . قال : فقدّر ما شئت وهو لك مشاهرة . قال : إذا تجدني بحيث تحبّ ويجري حكمك عليّ وفي كما يجري في أحد عبيدك . وقد قلت في ذلك : أرى الحرّ عبدا للّذي سيب كفّه * شراه بما قد غاظه غاية الحمد على أنّ ملك الحرّ أسنى ذريعة * إلى المجد من مال يصان ومن عبد وإنّ خصّ بيع ملك حرّ بنعمة * إذا قوبلت بالشّكر قارنها المجد فقال : لئن كان ذلك كذلك إني لأهل أن أرفعك بموادّ نعمتي عليك عن أن يقال هذا فيك أو تمتهنك عين أحد بذلّة . قال : ودخل المأمون ذات يوم إلى الديوان فنظر إلى غلام جميل على أذنه قلم فقال : من أنت يا غلام ؟ قال : يا أمير المؤمنين الناشئ في دولتك والمتقلّب في نعمتك والمؤمّل لخدمتك الحسن بن رجاء . فقال المأمون : بالإحسان في البديهة تتفاضل العقول . يرفع عن مراتب الديوان إلى مراتب الخاصّة ويعطى مائة ألف درهم معونة له . ففعل به ذلك . قال : ودخل يزيد بن جرير على المأمون وكان وجد عليه فقال : أيزيد ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين غذي نعمتك وخرّيج صنيعتك وغرس يدك الذي لم يشركك فيه مصطنع ولم يسبقك إلى تخريجه أحد ، ولم أزل يا أمير المؤمنين بعفوك بعد سخطك راجيا وببصيرة رأيك في الانفراد بردّي إلى ما عوّدتني واثقا حتى أقامني اللّه جلّ وعزّ هذا المقام الذي فيه إدراكي أملي ونيلي محبّتي ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يشهّرني برضاه كما شهّرني بسخطه فعل إن شاء اللّه ! فقال : قد رضي عنك أمير المؤمنين . قال : ووصف يحيى بن خالد الفضل بن سهل وهو غلام على المجوسيّة للرشيد وذكر أدبه وحسن مذهبه وجودة معرفته فعمل على ضمّه إلى المأمون . فقال يوما ليحيى : أدخل إليّ هذا الغلام المجوسي حتى أنظر إليه ، ففعل يحيى ذلك ، فلمّا مثل بين يديه وقف وتحيّر وأراد الكلام فأرتج عليه وأدركته كبوة ، فنظر الرشيد إلى يحيى نظر منكر لما كان تقدّم من تفريطه