ابراهيم بن محمد البيهقي

213

المحاسن والمساوئ

فغبت ثم وإذا بابي مغلق ، فقلت : ما هذا وما فعلت فلانة ؟ قالوا : ماتت . فذهبت إلى قبرها وكنت عنده . فلما كان من الليل قعدت مع بني عمي أتحدث وليس يسترنا من البقيع شيء ، فرفعت لي نار بين القبور ، فقلت لبني عمي : ما هذه النار ؟ فقال أحدهم : يا أبا فلان نرى على قبر فلانة كل ليلة نارا ! فقلت : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، واللّه لقد كانت صوامة قوامة عفيفة ، واللّه لأنبشن قبرها ولأنظرنا ما حالها . فأخذت فأسا وأتيت القبر فإذا هو مفتوح والمرأة ميتة وهذا حي يدل حولها ، فنادى مناد : أيها المستودع ربه وديعته خذ وديعتك ، أما انك لو استودعته أمه لوجدتها ! فأخذته وعاد القبر كما كان ، وهو واللّه يا أمير المؤمنين هذا . مساوئ الثقة قال : قال عيسى بن مريم ، عليه السلام : يا معشر الحواريين إن ابن آدم خلق في الدنيا في أربعة منازل هو في ثلاثة منها واثق باللّه عز وجل وهو في الرابع سيّئ الظن يخاف خذلان اللّه عز وجل إياه ، فأما المنزلة الأولى فإنه خلق في بطن أمه خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، ينزل اللّه جل وعز عليه رزقه في جوف ظلمة البطن ، فإذا خرج من ظلمة البطن وقع في اللبن لا يخطوا إليه بقدم ولا ساق ولا يتناوله بيد ولا ينهض بقوة ويكره عليه إكراها ويوجره إيجارا حتى ينبت عليه عظمه ودمه ولحمه ، فإذا ارتفع من اللبن وقع في المنزلة الثالثة في الطعام بين أبويه يكتسبات عليه من حلال وحرام ، فإن مات أبواه عن غير شيء عطف عليه الناس هذا يطعمه وهذا يسقيه وهذا يؤويه ، فإذا وقع في المنزلة الرابعة واشتد واستوى وكان رجلا خشي أن لا يرزق يثب على الناس يخون أماناتهم ويسرق أمتعتهم ويكابرهم على أموالهم مخافة خذلان اللّه عز وجل إياه . محاسن طلب الرزق بلغنا عن ابن السماك أنه قال : لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض ، وكن اليوم مشغولا بما أنت عنه غدا مسؤول ، وإياك والفضول فإن حسابها طويل . وقال عمرو بن عتبة : من لم يقدمه الحزم أخره العجز . وقال اللّه تبارك وتعالى : « يا ابن أدم أحدث لي سفرا أحدث لك رزقا » .