ابراهيم بن محمد البيهقي
136
المحاسن والمساوئ
خفاتين « 1 » مقطوعة جددا ورانات وآلة السفر ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ثم قدم البغل فحمل عليه الصناديق وفوقها مفرشان ودفع إلي نسخة بما في الصناديق وفيها خمسة آلاف درهم وقدم إلي الفرس الذي كان أنعله بسرجه ولجامه وقال لي : اركب وهذا الغلام الأسود بخدمك ويسوس دوابك ، وأقبل هو وامرأته يعتذران من تقصيرهما في أمري ، وركب معي فشيعني ، وانصرفت إلى بغداد وأنا على مكافأته ومجازاته فعاقنا عن ذلك ما نحن فيه من الشغل بالأسفار واتصالها والتنقل من مكان إلى مكان ، فلما سمع الرجل الحديث قال : قد أتاك اللّه عز وجل بمن تريد مكافأته بلا مئونة عليك ، فقلت : كيف ذلك ؟ قال : أنا واللّه ذلك الرجل ! ثم قال لي : ما أثبتك ! فتعرف إلي وأقبل يذكرني بأشياء يتعرف بها إلي حتى أثبته وعرفته فما تمالكت أن قمت إليه فقبلت رأسه وقلت له : ما الذي أصارك إلى هذا ؟ فقال : هاجت فتنة بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي وبعث أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد وحملت إليه وأمري عنده غليظ جدا وهو قاتلي لا محاملة ، وقد خرجت من عند أهلي بلا وصية وقد تبعني من عبيدي من ينصرف إلى منزلي بخبري وهو نازل عند فلان ، فإن رأيت أن تنعم وتبعث إليه حتى يحضر فأتقدم إليه بما أريد ، فإذا أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة لي . قال فقال : العباس : بصنع اللّه ، ثم قال : علي بحدادين ، فأتوا بهم ، فحل قيوده وما كان عليه من أنواع الأنكال ، ودعا بالحجام فأحضر وأخذ من شعره ثم قال : علي بمولاه ، فأنفذ في طلبه من يحضره . قال الرجل : فلما أن أخذ شعري أدخلني الحمام فطرح علي من ثيابه ما اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد يبكي ، فقال العباس : علي بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني ، حتى عد عشرا ثم قال : علي من الصناديق والكسوة بكذا ومن صناديق الطعام بكذا ، ثم أمر لي ببدرة فيها عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسة آلاف دينار وقال لصاحب شرطته : خذه واعبر به إلى جسر الأنبار ، فقلت له : إن أمري غليظ وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرد وأقتل ، فقال : انج بنفسك ودعني أدبر أمري ، فقلت : واللّه لا أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من خبرك ، فإن احتجت إلى حضوري حضرت ، فقال لصاحب الشرطة : إن كان الأمر على هذا فليكن في موضع كذا وكذا فإن سلمت في غداة غد فسبيل المحبة وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه ، وأنشدك اللّه أن تذهب من ماله شيئا قيمته درهم وتخلصه حتى تخرجه من بغداد . قال الرجل : فأخذني صاحب الشرطة فصيرني في مكان يثق به وتفرغ العباس لنفسه واغتسل وتحنط وتكفن . قال العباس : فلم أفرغ من ذلك حتى وافتني رسل المأمون في السحر وقالوا :
--> ( 1 ) الخافت والخافتة ما لان من الزرع الفضّ .