ابراهيم بن محمد البيهقي
137
المحاسن والمساوئ
أمير المؤمنين يقول هات الرجل ، فسكت وأتيت الدار وإذا أمير المؤمنين جالس عليه ثيابه أمام فراشه ، فقال : الرجل ! فسكت ، فقال : ويحك الرجل ! فقلت يا أمير المؤمنين اسمع مني ، فقال : أعطي اللّه عهدا لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك ! فقلت : لا واللّه ما هرب ، فاسمع مني حديثي وحديثه ثم أنت أعلم بما تفعله في أمرنا ، قال : قل ، فقلت : يا أمير المؤمنين كان حديثي معه كذا وكذا ، وقصصت عليه القصة وعرفته أني كنت أريد مكافأته فشغلت عن ذلك حتى إذا كان البارحة عرفته وعبرت به جسر الأنبار وقلت : أنا من سيدي أمير المؤمنين بين أمرين ، إما تصفح عني وإما قتلني وأكون قد كافيته ووقيته بنفسي كما وقاني بنفسه . فلما سمع المأمون الحديث قال : ويحك ! لا جزاك اللّه خيرا عن نفسك وعنا وعن هذا الفتى الحر ، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة وتكافيه بعد المعرفة بهذا ! لم لا عرفتني خبره فكنت أكافيه عنك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين إنه واللّه هاهنا قد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي فإن احتيج إلى حضوره حضر ، قال : وهذه واللّه منه أعظم من الأولى ، فاذهب إليه الآن وطيب نفسه وسكن روعه وتعبر به إلي حتى أتولى مكافأته عنك . فصرت إليه وقلت : ليسكن روعك إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت ، فقال : الحمد للّه الذي لا يحمد على السراء والضراء غيره ، ثم تهيأ للصلاة فصلى ركعتين ثم جئنا فلما مثل بين يدي المأمون أدناه حتى أجلسه إلى جانبه وآنسه وحدثه حتى حضر الغداء ، ثم قال : الطعام ، فأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفاه ، ثم قال المأمون : علي بعشرة أفراس بسروجها ولجمها وعشرة بغال بجميع آلتها وبعشر بدر وبعشرة تخوت وعشرة مماليك بذواتهم وجميع آلتهم ، فدفع ذلك إليه ، وكتب إلى عامله بالوصاية عليه وأوغر خراجه وكتب إلى صاحب البريد أن تنفذ كتبه وصرفه إلى بلده . قال العباس : فكان إذا ورد له كتاب في خريطة يقول لي المأمون : يا عباس هذا كتاب صديقك . وحدث رجل عن جعفر العطار قال : بينما يحيى بن أكثم يماشي المأمون في بستان موسى والشمس عن يمينه والمأمون في الظل وقد وضع يده على عاتق يحيى وهما يتحدثان إذ رأى المأمون أن يرجع في الطريق الذي جاء منه ، فلما انتهى إلى الموضع الذي قصده قال يحيى : إنك جئت وعن يسارك الشمس وقد أخذت منك فكن أنت الآن في منصرفك حيث كنت وأكون أنا حيث كنت أنت ، فقال يحيى : واللّه يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أقيك بنفسي من هول المطلع لفعلت فكيف لا أصبر على أذى الشمس ساعة ؟ فقال : واللّه لا بد من أن آخذ منها كما أخذت منك وتأخذ من الظل كما أخذت منه ! فصار المأمون في موضعه وصار يحيى في موضع المأمون وتماشيا وأخذ بيده فوضعها على عاتقه حتى صار إلى المجلس .