ابراهيم بن محمد البيهقي

123

المحاسن والمساوئ

الصبيان ، فظن أهل بيته أن المنصور أمره بذلك ، فخرج يبكي إلى أبيه ، فجاء أبوه عيسى بن علي فخلع سيفه بين يدي المنصور وصاح ، فقال : ما أمرت بذلك ولم يفعل الربيع ذلك إلا لأمر ، فلما سئل الربيع عن ذلك قال : أمرته أن يتغدى معك فقال قد أكلت ، وإنما دعوته لتشرفه وترفع منه ولم تدعه لتشبعه ، فأدبته إذ لم يؤدبه أبوه ، فقال المنصور : أحسنت ! قد علمت أنك لا تخطئ . قال : وقال المهدي للفضل بن الربيع حين ولاه الحجبه : إني موليك ستر وجهي وكشفه فلا تجعل الستر بيني وبين الناس سبب إراقة دمائهم بعبوس وجهك في وجوههم فإن لهم دالة الحرمة وحرمة الاتصال وقدم أبناء الدعوة وثن بالأولياء واجعل للعامة وقتا إذا وصلوا أعجلهم ضيقه عن التلبث والتمكث ، وكان أول من حجبه الحسن بن عثمان ثم الفضل بن الربيع ، وكان الهادي ولى حجبته الفضل بن الربيع وقال له : لا تحجب عني الناس فإن ذلك يزيل عني التزكية ، ولا تلق إلي أمرا إذا كشفته وجدته باطلا فإن ذلك يوهن الملك ويضر بالرعية . قيل : وقال الواثق « 1 » لابن أبي دؤاد : من أولى الناس بالحجبة ؟ فقال : مولى شفيق يصون بطلاقة وجهه من ولاه ويستعبد الناس لمولاه ، فنظر إلى إيتاخ وكان واقفا على رأسه فقال : قد ولاك أبو عبد اللّه الحجبة ، فكان إيتاخ يعرف ذلك له ويتقدم بين يديه إلى أن يبلغ مرتبته . قال : وقال رجل لزياد : إن حاجبك إنما يبدأ بالإذن لمعارفه ، فقال : قد أحسن ، المعرفة تنفع عند الكلب العقور والأسد الهصور وبين لحيي البعير الصئول ، كن من معارفه ، فقد قيل : التعارف نسب وقبح اللّه معرفة لا تنفع . وكان ليحيى بن خالد حاجب قبل الوزارة ، فلما صار إلى الوزارة رأى كأنه تثاقل عن حجابته فقيل له : لو اتخذت حاجبا غيره ، قال : كلا ، هذا يعرف إخواني القدماء ، وقال الشاعر في مثله : هشنّ إذا نزل الوفود ببابه * سهل الحجاب مؤدّب الخدّام وإذا رأيت شقيقة وصديقه * لم تدر أيّهما أخو الأرحام وقال خيط القنديل في محمد بن عبد اللّه بن طاهر : يا أيّها الملك المحجوب آمله * وراء بابك همّ غير مشترك وكم أقول يجدي فينجدني * ولا أرى مدنيا من قبّة الملك

--> ( 1 ) الواثق : هارون بن محمد ( 227 - 232 ه ) تاسع الخلفاء العباسيين .