محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
97
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
المبحث الواسع . ولكن على الرغم من كل هذه الإنجازات ، فإنه بقي علينا الكثير لكي نفعله في هذا المجال قبل أن نستطيع إطلاق حكم موثوق على هوية المعارضين للوحي القرآني . أقصد هويتهم ( أو مكانتهم ) الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع المكّي . من الممكن أن نساهم في تقدم هذا البحث عن طريق استخلاص المعطيات الضمنية للآيات التي استشهدنا بها سابقا . قلت الضمنية ولم أقل الصريحة . وذلك لأن الدراسة التي تنحصر باستكشاف المعاني الصريحة للآيات تسقط بسرعة في نوع من النزعة التاريخوية واللغوية المتطرفة . وتخفى عليها بالتالي العناصر الأساسية للتصوّر والإدراك ، هذه العناصر التي تولّد المعاني الصريحة . وهكذا نجد أنه إذا ما أمعنّا النظر في الآيات المذكورة ، فإننا نجد أنها توحي بوجود ذات جماعية « 1 » في مكّة . وفكر هذه الذات الجماعية تهيمن عليه المسلّمات التالية : 1 - الإيمان مرتبط بالبراهين . فإذا لم توجد براهين ، لا إيمان . 2 - البرهان يتمثّل بالملاحظة البصرية لظواهر فيزيائية أو مادية محدّدة بدقة . فإذا لم يرها الناس لن يؤمنوا ولن يصدّقوا . ولكن نلاحظ أن هناك استمرارية بين واقعة مدركة عن طريق الحواس كانبثاق ينبوع ماء من الأرض مثلا ، وبين حدث « خارق للطبيعة » كالصعود إلى السماء ، أو هبوط ملاك إلى الأرض ، أو تنزيل الكتاب المقدّس . 3 - هناك فئة خلقت للكذب ، والخطأ ، والضلال ، والهوى . وفئة خلقت للحقيقة المثلى ، وصحة النقل ، والمرونة ، ووضوح الوحي المتجلّي . 4 - يمكن لأحد أعضاء الجماعة أن يختلق الأكاذيب ويخدع السامعين السذّج الذين يصدّقون كل شيء . فيخرجهم بالتالي عن إطار الممارسة والخطاب المعترف بهما من قبل الإجماع التقليدي ( أي يخرجهم عن دين الآباء والأجداد ) . 5 - إن السمات المميزة للرسالة الصحيحة هي التالية : قدرتها على توليد الخيرات المرغوبة جدا كتفجير نبع ماء في الصحراء ، أو استنبات حدائق النخيل والعنب حيث يسيل الماء ، أو تشييد قصر مليء بالزينة والزخارف . ثم إن هذه الرسالة الصحيحة تتميز بقدرتها على توليد أحداث غير مألوفة : كإسقاط السماء على الأرض قطعا ، قطعا ، أو أن يكون الشخص ( النبي ) مصحوبا بملاك منذر ، أو تلقي الكتاب السماوي دفعة واحدة ، أو رؤية اللّه مباشرة . . . كل هذه تشكّل براهين قاطعة في نظر المكّيين على صحة الرسالة وأن من يأتي بها يكون نبيا حقا . ينبغي على الرسول أن يرتفع فوق الوضع البشري العادي وأن يلتحق بوضع الملائكة لكي يصدّقوه .
--> ( 1 ) حول هذا المفهوم الاجتماعي - اللغوي ، انظر كتاب العالم الفرنسي المختصّ بالألسنيات : ب . غيران : مقالات في علم الأسلوب : ، 1969 Klincksiek ، Paris ، stylistique de Essais : P . Guirand : وانظر أيضا كتاب الناقد لوسيان غولدمان : الماركسية والعلوم الإنسانية : sciences et Marxisme : L . Goldmann . 1970 ، Gallimard ، Paris ، humaines