محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
98
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
6 - إن الكتاب المتلقّى ضمن هذه الشروط هو كتاب الوحي ، وينبغي أن يستطيع الناس قراءته . وعندئذ يصبح المصدر الأعلى لكل معرفة صحيحة ، والمعيار الأعلى لكل سلوك مستقيم . ولهذا السبب ينبغي الاشتباه بالنسخ المزيفة الشائعة عن كتاب الوحي وتنبغي إدانتها أو فضحها . فالكتاب المزوّر مكروه جدا . وأما الكتاب الصحيح أو الحقيقي ، فيدخل قطيعة داخل الوضع البشري عن طريق شعور الناس بوجود ما قبل الكتاب / وما بعده . هذه الخلفية الفكرية التي تقبع خلف خطاب « الكفّار » أو « غير المؤمنين » تبرهن على أن رفضهم ليس ناتجا عن الجهل ، أو عن معارضة منتظمة لظاهرة الكتاب المقدس باسم عقيدة منافسة أو مضادة . على العكس ، إنهم يتموضعون داخل إشكالية الكتاب السماوي أو المقدّس ولا يطلبون شيئا آخر غير أن يؤمنوا . . . اللهمّ إذا ما ملأ محمد كل الشروط المطلوبة عادة من أجل أن يؤمن الناس . وهكذا تحيلنا المسألة إلى تاريخ سابق وإلى فينومينولوجيا مختلف أنواع الوحي السابقة له ، أي السابقة على الوحي الذي حصل لمحمد « * » . الشيء المهم هنا والذي ينبغي أن نركّز عليه الأضواء هو أن هذه الشروط كانت معروفة في مكّة في بداية القرن السابع الميلادي . وقد ضغطت بكل ثقلها على التبشير القرآني أو قل على الدمج الاجتماعي - الثقافي لهذا التبشير ( أي على رفضه أو قبوله ) . إذن نلاحظ أنه كان يوجد في مكّة موقف جدلي واحتجاجي قائم على المحاجّة وطلب البراهين باسم تصوّر راسخ آنذاك عن الكتاب السماوي أو كتاب الوحي . وفي مواجهة هذا الموقف راح الخطاب القرآني يحاول فرض الإسلام ، أي موقف تسليم النفس بكل ثقة إلى الوحي الذي نقل فعليا إلى محمد . إنّ الآثار اللغوية لعملية الانتقال هذه موجودة على مدار النصّ القرآني كله ( أقصد الانتقال من موقف معيّن للروح إلى موقف آخر ، أو الانتقال من موقف ما قبل الإسلام إلى موقف ما بعد الإسلام ) . بل ويصل بنا الأمر إلى حد التساؤل عمّا إذا لم تكن الضرورة الأولية لتحويل استعداد عقلي ما هي التي أدت ، في النهاية ، إلى توليد لغة جديدة ، وفرض نمط تعبيري قائم على الاحتجاج والمعارضة . فالانقسام الأكبر المتمثّل بثنائية الكفّار / المؤمنين ليس له فقط دلالة عقائدية ، وإنما له انعكاسات أو تأثيرات على البنية اللفظية والمعجمية والنحوية والتركيبية للخطاب القرآني . إنّ هذه البنية اللغوية ما هي إلّا تعبير عن حالة اجتماعية - ثقافية كان ينبغي تجاوزها آنذاك . ولكن هذه البنية سوف تلعب لاحقا - على بعض الأصعدة وبدرجات متفاوتة بحسب الفترات الزمنية - دور العقبة الإبستمولوجية داخل الفعالية المعرفية للفكر الإسلامي .
--> * المقصود بالفينومينولوجيا هنا الوصف الظاهراتي للوحي السابق على الوحي القرآني ، أي الوحي التوراتي والإنجيلي . وأركون يعتبر الوحي ظاهرة مثله في ذلك مثل الظواهر الطبيعية كسقوط المطر ، أو هبوب الرياح أو أية ظاهرة أخرى . وبالتالي ، فينبغي أن ندرس ظاهرة الوحي كما هي ، أي كما أثّرت في ملايين البشر طيلة قرون وقرون .