محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

86

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

المتوحشة ، وتشكيل العالم الثالث ثم التخلّي عنه ، وتدمير الوعي الأخلاقي ، والمنشأ الهدّام للمعنى . . . إلخ . ولكننا لا نستطيع أيضا العودة إلى النموذج النبويّ لأننا أصبحنا نرى بوضوح تاريخيّته ، واندماجه في الأنماط العابرة لانتاج المعنى داخل التاريخ . ولكننا أصبحنا نعترف بموضوعية أكبر مما كان حاصلا في زمن التنوير بأن الخطاب النبوي لم يستبدل بعد ، أي لم يحل محله بديل جديد . وبالتالي ، فإنه لهذا السبب لا يزال يقدّم المعنى حتى في سياقنا الحديث المقلوب من قبل التكنولوجيا ، وفقدان النظام الطبيعي أو الشرعي للعواصم ، والفوضى المعنوية السائدة داخل العقل المهيمن . وهي فوضى تؤدّي إلى الهزيمة الفكرية لكل العقول التابعة . فالخطاب النبوي يخلق ، كما في لحظة انبثاقه . الأولية ، « مديونيّة المعنى » لدى الشخص الذي يعرف كيف يصغي ويستمع . إنه يخلقها إلى درجة أنه يحيّي الحركة الداخلية للوعي المطيع ، وهو مطيع لأنه معترف بالجميل ( وهذا هو معنى فعل « يعقلون » ، أو « تعقلون » في القرآن ) . إنّ التبادلية الجارية بين وعي الناس المختلفين تؤكّد ذاتها ، وتمتحن نفسها ، وتتشكّل من خلال هذه العلاقة الكائنة بين المعنى - والطاعة - والاعتراف بالجميل . وهي علاقة يدشّنها الخطاب النبوي ويغذّيها . وعلى هذا المستوى من العمق ، يبدو لي أنه ينبغي أن نبحث عن الأسباب العميقة لما يدعى بعودة الدين . وهذا المصطلح الذي شاع مؤخرا لا معنى له إلّا بالنسبة لمجتمعات الغرب التي شهدت التنوير ، والتي أوهمها التنوير بإمكانية التجاوز النهائي ( واللامرجوع عنه ) للعقائد الدينية . ولكن يحصل اليوم ما حصل بالأمس ، بمعنى أن استراتيجيات اقتناص السلطة تصادر باستمرار الفعالية الإيجابية والتأثير العميق للخطاب النبوي . إنها تصادرها وتجيّرها لصالح أنظمة الهيمنة ، والتسلّط ، والاستغلال ، وإضفاء المشروعية على السلطات السياسية ، وانحلال القيم . ينبغي أن نعلم أن الوظيفة النبوية والخطاب الذي يوضّحها أو يجسّدها لا يمكنهما ممارسة فعلهما إلّا داخل سياق معرفي ومؤسّساتي يفضّل الأسطورة / على التاريخ ، والروحي / على الزمني ، والعجيب المدهش أو الساحر الخلّاب بصفته بنية أنتربولوجية للمخيال / على العقلاني الوضعي . كما ويفضّل المقدس بصفته قوة ضبط وتنظيم للعنف / على الدنيوي بصفته مكانا لتبعثر المعنى وللتنافس على السلطة ، والتملّك ، والقيمة أو الجاه . لكن الوظيفة الحكومية أمّمت الدين ( انظر بهذا الصدد سنّ الدستور المدني للكهنوت في فرنسا بعد الثورة الفرنسية ، أو استعباد رجال الدين وإخضاعهم من قبل السلطة في الإسلام ) . وهكذا عكست الدولة كل القيم التي جاء بها الأنبياء في الوقت الذي حافظت فيه على المظاهر الايديولوجية للتلاؤم أو التوافق مع تعاليم اللّه ، بل وساهمت في نشر هذه المظاهر وتعميمها . إن هذا العكس ( أو القلب ) يصل اليوم مع الحركات الأصولية المتطرفة